
على مدار ثمانية أيام، سار المزارع السوداني إبراهيم حسين وعائلته عبر طرق جبلية وعرة هربا من المعارك في منطقة جنوب كردفان التي تحولت مؤخرا إلى ساحة جديدة للحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع".
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ويقول حسين الذي وصل مع عائلته إلى كوستي في ولاية النيل الأبيض الواقعة تحت سيطرة الجيش "تركنا كل ما نملك؛ حياتنا ومحاصيلنا التي لم نحصدها".
فرّ حسين وعائلته المكوّنة من سبعة أفراد من مدينة كيكلك بجنوب كردفان، مضيفا "تحرّكنا أغلب المسافة مشيا على الأقدام، وتحمّل أصغر أبنائي البالغ سبع سنوات ووالدي 75 عاما تعب المشي حتى وصلنا" إلى مدرسة تحوّلت إلى مخيم للإيواء في كوستي.

على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب الخرطوم، باتت كوستي ملاذا لمئات العائلات الهاربة من العنف في كردفان الغنية بالنفط والتي يتنازع الجيش و"الدعم السريع" السيطرة عليها بعد إحكام الأخيرة قبضتها على إقليم دارفور المجاور.
وأجبرت معارك كردفان نحو 53 ألف شخص على النزوح، وفقا للأمم المتحدة.
ويضيف حسين "كنا طوال فترة الحرب بالسودان نعيش في أمان. نرعى حيواناتنا حتى جاء الدعم السريع إلى المنطقة".
خلال الشهر الجاري، أحكمت قوات "الدعم السريع" سيطرتها على ولاية غرب كردفان واستولت على أكبر حقل نفطي في البلاد في منطقة هجليج، كما أطبقت بالتعاون مع حلفائها المحليين الحصار على مدينتي كادوقلي وديلينغ الخاضعتين لسيطرة الجيش، وحيث يعاني مئات الآلاف من المجاعة.
التجويع والخوف
وبدأت الحرب في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في نيسان/أبريل 2023. ودخلت منعطفا جديدا، مع سيطرة "الدعم السريع" على مدينة الفاشر في 26 تشرين الأول/أكتوبر، بعد محاصرتها لمدة 18 شهرا. ثم امتدت المعارك إلى إقليم كردفان المجاور.

وأفادت الأمم المتحدة بوقوع مجازر وعمليات اغتصاب ونهب ونزوح جماعي للسكان قبل وخلال وبعد سقوط الفاشر.
في غضون يومين فقط الأسبوع الجاري، وصل نحو 4000 شخص إلى كوستي وهم يعانون من "التجويع والخوف"، وفقا لمحمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة في السودان.
ويوضح رفعت أن معظم النازحين من كردفان هم من النساء والأطفال "ولم يستطع الرجال النزوح خوفا من القتل أو الخطف".
ووفقا لمنظمة "ميرسي كوربس"، وهي واحدة من منظمات الإغاثة القليلة العاملة في كردفان، فإن الطرق الرئيسية غير آمنة ما يدفع العائلات إلى "خوض رحلات طويلة وعُرضة للمخاطر والنوم في أي مكان متاح".
وتقول المديرة القُطرية المؤقتة للمنظمة ميجي باراك "الرحلات التي كانت تستغرق أربع ساعات في السابق باتت تجبر الناس على السير لمدة تتراوح بين 15 و30 يوما عبر مناطق معزولة وأراضٍ مليئة بالألغام".

وأدى هجوم بطائرات مسيرة على روضة أطفال ومستشفى في كلوقي بجنوب كردفان الشهر الجاري إلى مقتل 114 شخصا بينهم 63 طفلا؛ بحسب منظمة الصحة العالمية.
بعد هذا الهجوم، أيقن آدم عيسى، وهو مزارع يبلغ 53 عاما، أن الوقت حان للفرار. فتوجه مع زوجته وبناته الأربع ووالدته المسنة إلى كوستي "بعربة تجنبّت الطرق المعتادة حتى لا نمر بارتكازات الدعم السريع. أخذتنا الطريق ثلاثة أيام".
ويقيم عيسى حاليا مع عائلته و500 شخص آخرين في مدرسة تحوّلت إلى مأوى، "ونتلقى مساعدات لكنها ليست كافية". ويقول إنه يبحث عن عمل في سوق المدينة.