عن السياسة بدون مشروع سياسيّ...

غياب مشروع سياسيّ للفلسطينيين في إسرائيل هو ظلّ لغياب مشروع سياسيّ فلسطيني عام. فالرائي إلى ما يحصل منذ فشل أوسلو سيكتشف أنّه لم يكن للفلسطينيين أي مشروع وطني ولا أي مبادرة، وهو ما يضطرّ الفلسطيني، في كل موقع، أن يُوجد نفسه سياسيًّا كما يتيسّر له.

وقبل الخوض في هذه المسألة، عليّ التوضيح أنّ ما سُقته لا يعني أنّه ليس هناك قضيّة ورواية فلسطينية وحقّ فلسطيني، بل القصد أنّه ليس هناك، في الراهن، مشروع سياسيّ وطنيّ يتطلّع إلى حمل القضيّة الفلسطينيّة والحقّ الفلسطينيّ إلى مرحلة الحلّ والتحقّق.

إنّ هذا الفراغ لم يحدث بسبب غياب الفعل الفلسطينيّ ـ وهذا سبب ـ لكنّه حصل بالأساس بسبب الفعل الإسرائيلي المتواصل حتى كتابة هذه السطور. وهو السبب الأساس في إسقاط المشروع الفلسطيني السياسيّ الذي قام على خيار تقاسم فلسطين الانتدابيّة، وإسقاط الحالة التنظيمية التي حملته، مع تحويل "السلطة الوطنيّة" إلى أداة مؤقّتة لحماية ظهر الاحتلال والاستيطان في انفلاتهما. ومع هذا، فإنّي أريد أن أحصر الحديث في غياب مشروع سياسيّ للفلسطينيين في إسرائيل، كما يتجلّى بوضوح من خلال الفشل، إلى الآن، في تشكيل قائمة وحدويّة أو التوصّل إلى تفاهمات بخصوص الاصطفاف الانتخابيّ، وهناك، في الواقع، العديد من الخيارات.

لقد انتقلت السياسة في إسرائيل من يمينيّة ليبراليّة مقنّعة بخطاب الديمقراطيّة الإثنية إلى يمينيّة راديكالية عنيفة. أمّا الترجمة الحرفيّة لهذا الانتقال فهو إسقاط الشرعيّة السياسيّة عن الفلسطينيين في إسرائيل، وخفض مستوى مواطنتهم تمهيدًا لإلغائها في مرحلة لاحقة.

ليس هذا فحسب، بل السعي المؤسساتي قائم بقوّة لنزع إنسانيتهم، أيضًا، وتحويلهم إلى عدوّ تجوز معه كل معاملة وكل إجراء، الآن وفي المستقبل. هذا، في موازاة الانتقال الذي حصل في المناطق الفلسطينية المحتلة، وهو في جوهره انتقال من إدارة الصراع مع الفلسطينيين إلى حسمه.

وهنا، تفنّنت المؤسّسة الإسرائيليّة في سياسات القمع وصولًا إلى الإبادة وتدمير مخيّمات الضفّة واقتلاع أهلها! بمعنى ما، فإنّ السياسات الرسميّة في المناطق المحتلة وحرب الإبادة في غزة صنعت لها ظلالًا في الجليل والمثلث والنقب، ويبدو أنّها تتمدّد من "هناك" إلى "هنا" دون أن تتخفّى أو تُنكر غاياتها.

إلّا أنّ النُخب في مجتمعنا هنا لا تزال تلعب في ملعب أغلقته المؤسّسة ولا تعترف به، بما يعنيه من فرضيّات تقادمت أو تجاوزتها الأحداث، والخطاب المعتمد ليس لدى الائتلاف الحكومي فحسب، بل لدى المناهضين له، أيضًا.

ولعلّ أبرز ما في هذا المضمار من "غياب" هو هذا الكلام الذي لا يزال يهذي به منصور عباس. فهذا التوسّل لأن يقبله العنصريون الكولونياليون يُذكّرنا بعقليّة التابع. أن تُفرغ حتى من الهواء كي يقبلك المُستعمِر لا يشكّل، بالتأكيد، مشروعًا سياسيًّا. وكذلك هذا الفشل الممتدّ للأطر السياسيّة في تشكيل قائمة وحدويّة، كشكل من أشكال الاحتساب للظرف السياسيّ الراهن والاستعداد لجولة في ساحة واحدة من ألف ساحة للسياسة.

لا شكّ أنّ الفشل هنا هو جزء من غياب مشروع سياسيّ يتحرّك عليه الفلسطينيون في إسرائيل (والمشروع ليس برنامجًا سياسيًّا).

المشروع، في حالنا، يُجيب على سؤال استراتيجي، وهو: أيّ دور نُريد لأنفسنا في زمن الإبادة، وماذا نقول لأنفسنا وللمجتمع اليهودي الذي جنح نحو العنف المدمّر؟

لقد حاولنا أن نُجيب على السؤال الاستراتيجي قبل 20 عامًا من خلال بعض التصوّرات المُستقبليّة، لا سيّما وثيقة حيفا. ولم نعد إلى هذه التجربة، خاصة أنّ الأطر الحزبيّة يومها أدارت ظهرها لهذه التصوّرات، وتصرّفت كأنّ التصوّرات كانت ترفًا أو رياضة عقلية للبعض (أقول هذا من موقع مركّز وثيقة حيفا لردح من الزمن).

ليس هناك أي جهد جمعيّ للإجابة على هذا السؤال الملحّ. كلّ ما هنالك اجتهادات فرديّة لا تعتمدها الأحزاب ولا تبحثها، وإن كانت تهتمّ بها أحيانًا. غياب المشروع خسارة بحدّ ذاته، لكنّه في نتائجه يُفضي إلى غياب الإرادة السياسيّة الجمعيّة. صحيح أنّ هناك حركات وأحزابًا، لكنّنا نجدها غير قادرة على تشكيل إرادة سياسيّة، ولو في حدود أوّليّة.

وهنا تأتي قضيّة القضايا التي أختلف حولها مع كثيرين، وهي قولي إنّ الخارطة الحزبيّة، كما نراها اليوم، تتشكّل كقوّة استمرار لمرحلة مضت وانقضت في كثير من المستويات، بمعنى أنّها تعبّر عن "سياسة" تقادمت، وآن الأوان لتخطّيها، وهو ما يستدعي الكثير من الشجاعة والاعتراف وتسمية المواليد بأسماء عربيّة فلسطينيّة، لا إدارة فكرة القائمة الوحدويّة كما أدرناها في الجولة الماضية.

الناس تريد أن ترى النُخب والقيادات مُقتدرة، وليست عاجزة، كي تتفاعل معها. الناس تتضامن مع الضحيّة، لكنّها لا تتماهى إلّا مع القويّ. والسؤال: كيف تبدو النُخب الفلسطينيّة هنا "قويّة"؟ قد تتوفّر أكثر من إجابة، ومنها أنّنا لن نكون أقوياء بدون مشروع، وبدون قراءة، وبدون قرار: "ماذا نُريد أن نكون"!

أحدث الاخبار