متى، وكيف ستنتهي هذه الحرب؟ عبد المجيد سويلم

أظنّ أنّ هذين السؤالين هما ما يشغل بال وعقل أصحاب قرار هذه الحرب، وعقل وبال من يدفع ثمنها، بل ما يشغل قلوب الناس، أيضاً، من زاوية الخوف على وجودها ومستقبلها، ومن زاوية التبعات الكارثية التي ستتمخّض عنها على الصعيد الإنساني المباشر.
إشكالية الإجابة عن السؤالين، تكمن في أنّهما متلازمان إلى درجة أن الـ»متى» تعتمد على «كيف»، بل وحتى أنّ هذا التلازم يصل إلى درجة أنّ نتائج هذه الحرب ستتوقّف على توقيف سريان إعلان توقّفها.
وبالمناسبة فإنّ انطباق هذا الأمر أحياناً على حروب أخرى لا يقلّل مطلقاً من خصوصية هذا التلازم، ومن استثنائيته الجوهرية في هذه الحرب بالذات.
من هذا التلازم وعلى قاعدته تحديداً سأُحاول الإجابة. بات معلناً وواضحاً، بل ومفضوحاً أنّ هدف هذه الحرب كان، وما زال إسقاط النظام الإيراني، وسواء كان قرار الحرب متسرّعاً أو التحاقياً كما ادّعى وزير خارجية أميركا ماركو روبيو، أو أنّه كان نابعاً من اعتبارات أميركية أساساً فإنّ هذا الهدف أصبح هو الهدف الأهم والأكبر لهذه الحرب.
والاستنتاج المنطقي الأوّل هنا هو أنّ توقّف هذه الحرب بات مرهوناً بدرجة تحقّق هذا الهدف من عدمه.
أقصد إذا حقّقت هذه الحرب لأميركا ودولة الاحتلال هذا الهدف في أيّ مرحلة من مراحلها فإنّها ستتوقّف.
حتى الآن لم يسقط النظام الإيراني، ولا توجد أيّ مؤشّرات حتى الآن على أنه سيسقط بسبب استمرار الهجمات عليه، أو بسبب تمرّد داخلي، أو حتى بسبب عجزه عن الاستمرار في ضرب كل ما يعتبره النظام تهديداً أو خطراً أو خاصرة رخوة، أو حتى خطراً أو تهديداً محتملاً.
ليس هذا فقط، وإنّما أبعد من ذلك، فقد أثبت النظام تماسكاً مذهلاً حتى بعد اغتيال رموزه وأيقوناته، وغياب الصفّ الأوّل كلّه عن مسرح العمليات، وعن المشهد السياسي كلّه.
وحتى الآن أعطب النظام، القاعدة اللوجستية والتقنية للوجود الأميركي النشط والفعّال في الخليج، إضافة إلى خوضه معركة صاروخية ناجحة ومتدرّجة، ومدروسة ضدّ دولة الاحتلال.
بالمنطق الميداني والسياسي انتهت المرحلة الأولى ــ وسأشرح لماذا هي المرحلة الأولى بعد قليل ــ دون سقوط النظام، ولا حتى تزعزعه، ولم تظهر عليه بالرغم من هول الهجمات عليه أي علائم تدلّ على تراجعه أو اهتزازه، أو حتى تخفيف في وتائر ردوده.
وعليه بالإمكان الخروج بالاستنتاجات الآتية:
هناك تدمير واسع في إيران والأهداف التي هُوجمت وضُربت بالآلاف، والقيادات التي تمّ اغتيالها بالعشرات، والقيادات التي فقدت حتى الآن بالمئات، والقواعد والبنى العسكرية التي أُبيدت بالمئات، أيضاً.
مقابل ذلك تقوم صواريخها وطائراتها المسيّرة بسهولة وكفاءة عالية نسبياً بتدمير أهدافها تباعاً دون وجود دفاع جوّي فعّال، بعد أن تمّ سحب الكثير من القطع البحرية الأميركية باتجاه المحيط الهندي، ودون أن تتمكّن من صدّ الهجمات الإيرانية على قواعدها، وعلى منشآتها، إمّا لأنها لم تعد قادرة، أو لأنها ليست راغبة، أو لأنها تهدف إلى زجّ بلدان الخليج العربي في أتون هذه الحرب، أو لدرء أخطار أكبر على مصالحها في قادم الأيّام.
وفي المشهد الإسرائيلي واضح أنّ الخطّة الإيرانية متدرّجة ومتدحرجة ومعدّة لحربٍ طويلةٍ نسبياً، مع تركيز واضح على ضرب قواعد ومنشآت حيوية وحسّاسة، ومع تركيز أكبر على إبقاء المجتمع الإسرائيلي كلّه في حالة اضطراب وقلق على مدار السّاعة.
إلى هنا نحن أمام مرحلةٍ واحدةٍ حتى ولو استمرّت على هذه الوتيرة لأسابيع قادمة، وما لم تحدث تطوّرات ومفاجآت نوعية في هذه الوتيرة فإنّ السمة العامّة لها تبقى مستقرّة عند هذه الحدود، وهي سمة التوازن، والندّية، بصرف النظر عن أن البعض يعطي لأميركا ودولة الاحتلال إلى هذه الدرجة أو تلك تفوّقاً نسبياً، في حين أنّ البعض الآخر يعطي لإيران مثل هذا التفوّق.
ولكن الاستنتاج الأكبر هنا هو أن توقّف الحرب عند هذه النقطة من التوازن هو في مصلحة إيران، ولا يعطي لأميركا وإسرائيل أي معنى من أيّ نوعٍ كان، ويمكن اعتباره علامة عجزٍ وفشل.
والشيء الجديد في هذه المرحلة الأولى هو أن «الصمود» بات مطلوباً ليس فقط من الجانب الإيراني، بل بات مطلوباً من كلّ أطراف الجانب الآخر من المعادلة.
وبالتالي سنكون موضوعياً أمام تغيرات ضرورية حتمية في المشهد كما الوتيرة، لأن الاستمرار بالمرحلة الأولى هو على الأرجح في مصلحة إيران أو لنقل إن إيران ستكون لها ميزة نسبية أعلى، وتزداد مع مرور الوقت، في حين تتناقض الأفضليات الأميركية والإسرائيلية مع انقضاء كل ساعة أو يوم أو أسبوع من زمن هذه الحرب.
المتغيّر الأوّل للدخول في المرحلة الثانية من هذه الحرب هو الإعداد لتدخّل برّي من «قوات خاصّة» بأعداد كافية ومعدّات عالية الدقّة، وبدء تحضير مسرح العمليات لضربات أشدّ وأقوى وأكثر فتكاً، وزجّ دول الخليج العربي في الحرب مباشرة، و»إنشاء» تحالف دولي للمشاركة في الحرب، آخذين بعين الاعتبار أن فشل الحسابات الأميركية والإسرائيلية في إسقاط النظام هو بمثابة فشل أوّلي فاضح.
أمّا المفصل المهمّ الآخر فهو دخول «حزب الله» اللبناني على خطّ الحرب، في خطوة يعرف الحزب أن كلفتها السياسية عالية، وكلفتها الاجتماعية أعلى، ومع ذلك لم يتردّد في الانخراط الكامل والمنسّق بها.
ومن أهمّ سمات المرحلة الجديدة هي البدء الفعلي بأزمات كبيرة في أسعار النفط والغاز والبدء الفعلي باختبارات إيرانية مباشرة للإغلاق البحري في مضيق هرمز، كما أن «كمون» جماعة «أنصار الله» الحوثيين اليمنية، كما يبدو هو كمون لإغلاق مضيق باب المندب كلّياً عند درجة محدّدة من تطوّر هذه المرحلة.
وأغلب الظنّ أنّ «حزب الله» قد دخل هذه الحرب، وهو يهدف إلى تغيير معادلة «حرّية» العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان، وإلى قلب المعادلة الداخلية التي حاولت ــ كما يرى ــ طوال الشهور الماضية المطالبة بنزع سلاحه دون أن تقف ضدّ أو في مواجهة الاستباحة الإسرائيلية لكلّ لبنان، بل الذهاب إلى تبرير هذه الاستباحة، على لسان وزراء وشخصيات سياسية رسمية لبنانية، وبما أوصل الأمور إلى حافّة الصدام الداخلي.
وربّما أنّ كسر المعادلة الخطرة في لبنان، أيّ معادلة الصدام الداخلي يراها الحزب أشدّ خطراً عليه من معادلة الصدام مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويرى أنّ الدخول الإسرائيلي البرّي الذي هو «الفخّ» الذي ينتظره الحزب، ويسعى له لكي يعيد رسم كل الخارطة اللبنانية من جديد.
وسواء كان ذلك مشروعاً أم لا فإنّ من أهمّ سمات هذه المرحلة الجديدة هي دخول «أذرع» إيران مباشرة على خطّ المواجهة.
لن يغيّر الدخول الأوروبي على خطّ الحرب من وُجهتها، ولا يُغيّر دخول دول الخليج من إحداث أيّ إضافة نوعية في مسارها، أو وتيرتها، أو حتى على قرارات إيقافها أو استمرارها.
كلّ ما أراه هو أنّ أميركا تحاول الآن الحصول على مظلّة دولية، وأخرى إقليمية لتبرير استمرارها إذا ما كانت، أو بالأحرى رئيسها دونالد ترامب كان مضطراً لهذا الاستمرار، وهو نفس الموقف الإسرائيلي حتى الآن، أو الاستقواء بالغطاء الدولي والإقليمي لإبقاء الحرب مشتعلة إذا شعر أنه لا بدّ من وقفها.
لكن هنا يمكن أن يجري الافتراق مع الموقف الإسرائيلي، كما يمكن أن تكون الحرب على لبنان، وربّما الحرب على قطاع غزّة هي الأسلوب الذي يعبّر به بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» لجرائم الإبادة على القطاع عن مثل هذا الافتراق.
نحن في الواقع سنكون أمام موجات عنيفة جدّاً من الهجمات، وسنكون أمام بعض الجولات الدراماتيكية من تطوّرها، وسنكون أمام تداعيات وانهيارات في الإقليم وفي العالم، وسنكون أمام حافّة دخول صدامات دولية كبيرة للمرّة الأولى من فصول هذه الحرب.

أحدث الاخبار