نهاية ترامب ..! أكرم عطا الله


هذه الحرب في الشرق الأوسط لا تشبه سابقاتها من حروب الولايات المتحدة، وواضح أننا سنظل طويلاً نكتب عن نتائجها وتداعياتها الهائلة. فالشرق الأوسط يتغير ولكن ليس كما تريد الولايات المتحدة، بل عكس ذلك، وربما من المبكر القول إن الخاسر الأكبر ستكون الولايات المتحدة بسبب انكشاف حدود قوتها العسكرية، والعجز عن الحسم الساحق كما اعتادت في عقودها الماضية ومعها اسرائيل، التي لسخرية أقدارها لم تتوقف عن تقديم نفسها كدولة تقدم خدمات حماية في الإقليم، قبل أن تكتشف محدودية قوتها وقدرتها على حماية نفسها كذلك.
في كل الظروف نحن أمام حرب بدأت على عجل من قبل رئيس أميركي شعبوي يبحث عن الصورة والرمزية والخطاب أكثر من بحثه عن الإستراتيجيات، وهو جاهل الى الحد الذي يعتقد أن العالم يدار كأنه شركة عقارية لا تحتاج أكثر من بعض المحتالين ومعهم طاقم دعائي يجيد الكذب مستسهلاً كل شيء، ومعتقداً أن حركة التاريخ تسير بخفة شديدة قبل أن يكتشف أن العالم والسياسة لا يحتملان هذا المستوى من الفهلوة التي لا يتوقف دونالد ترامب عن التعبير عنها في كل تصريح أشبه بنكتة تدعو للسخرية، لكنها سخرية مكلفة من الدم والدموع.
كان واضحاً أنه إذا تمكنت ايران من تحويل الحرب من حرب الحسم إلى حرب استنزاف، تكون قد جرت الولايات المتحدة ومعها اسرائيل إلى مساحة هي آخر ما يريدها رجلان يتكئ كل منهما على الآخر، للذهاب نحو انتخابات مصيرية كانا يأملان أن يذهبا اليها في ظرف مختلف لا يشبه ما يجري من استعصاء.
لكن القول إن ترامب انتهى كأحد نتائج هذه الحرب ليس استنتاجاً مغامراً ولا مبكراً، وانتهت معه ترامبية شعبوية لصالح رصانة السياسة لاحقاً. فقد وصل إلى مرحلة عليه أن يحسم في هذه الحرب ويوقفها بأي شكل، سواء لصورة الولايات المتحدة التي بدأت تتأثر كدولة غير قادرة على الحسم، أو التغلب على دولة شرق أوسطية تضرب قواعدها وحاملة طائراتها، أو بسبب التداعيات الكارثية على البشرية والاقتصاد العالمي الذي لا يحتمل استمرار هذه الحرب.
بالوسائل التقليدية بات واضحاً أنه ليس هناك حسم إذا ما استمرت الحرب بتلك الوسائل المستمرة منذ شهر وقد دخلت شهرها الثاني، ولا يحتمل العالم حتى أن تستمر بنفس الوتيرة. وبات على ترامب أن يوقف الحرب بأي وسيلة، وهو ما بدأ يلمح له في تصريحاته عن اقتراب نهاية الحرب وتحقيق الأهداف. فكيف ستتوقف الحرب وهو السؤال الذي بدأت تناقشه الأوساط السياسية والبحثية التي تدرك أن لا مجال لاستمرار حالة الاستنزاف القائمة، وأننا على مشارف اللحظة الحرجة التي تتطلب وقفها.
أمام واقع السلاح وتلعثمه لشهر من الحريق عن حسم حرب تتسع أصداؤها وخسائرها، يظهر سيناريوهان لوقف الحرب: إما بالشكل الهادئ سواء باتفاق مع النظام الإيراني القائم، وتلك هزيمة لترامب أياً كان شكلها، أو بدون اتفاق وتلك لا تقل عن الأولى التي تجعل النظام الإيراني يخرج من الحرب، موقناً أن لا أحد سيفعلها ثانيةً بعد حرب المضائق ليخرج أقوى من السابق، وهذا يعني نهاية ترامب. أو بالشكل العنيف بضرب طهران بالقنبلة النووية، وأيضاً كان قد لمح لها وهو يعطي ايران قبل عشرة أيام مهلة الثمانية وأربعين ساعةً لفتح مضيق هرمز، وإذا ما فعلها سينتهي أيضاً. فإيران لم تضرب بيرل هاربر ولم تهدد الولايات المتحدة، وهذه حرب بلا تحالف، وأيضاً الجزء الأكبر من الشعب الأميركي معارض لها، والرئيس في أسوأ استطلاعاته قياساً بأي رئيس أميركي بعد السنة الأولى للولاية الثانية على الإطلاق وكل حكومات أوروبا ضد الحرب، هنا يبدو استخدام السلاح الذري مسألة بالغة الخطورة، وتلك ستكتب نهاية أكثر بؤساً لرجل قدم نفسه كمن أوقف الحروب، فإذ به يستخدم السلاح الذري، وهنا كل الخيارات تعني نهاية ترامب.
هكذا ينتهي مغامرو السياسة الذين يجيئون بالصدفة أو بضربة حظ، وقد تكرر هذا النموذج في التاريخ، فاز ترامب في الولايتين حين نافس امرأتين لم يكن الناخب الأميركي مهيئاً بعد لانتخاب امرأة، رجل جاء من خارج المؤسسة السياسية ومن عالم المال والعقارات والمضاربات، والأهم أنه ليس باتزان رجال الأعمال المرموقين، بل اتضح أنه خليط من الشعوذة والفهلوة والسطحية والسخرية. وكان من الطبيعي أن تصل البشرية لهذه النتيجة حين يتربع على عرش القوة الأولى رجل بهذا المستوى العقلي، فالحرب التي أشعلها هو وشريكه الحميم نتنياهو دخلت كل بيت وكل سلعة وكل وجبة. فالسياسة هي وليدة عقول وعبقريات وأفكار ومراكز بحث، وليست وليدة رجل حين سألوه عن كيفية اتخاذ القرار قال «حدسي يرشدني»، وبات واضحاً بما تقوله الوقائع أن حدسه كتب نهايته.
منذ سنوات يشهد المستوى القيادي على الصعيد العالمي حالة من التردي من قادة تاريخيين لسياسيين عاديين، مروراً بسياسيين من الدرجة الثانية والرابعة، هبوطاً لمستوى بات يصيب المراقبين بالدهشة لشدة سطحيته وجهله ... قلت لصديقي مرةً: لا تُتعب نفسك بالحديث بهدف كشف الناس إذا كانوا سيئين، فمستوى عقولهم سيتكفل بهم، هؤلاء يحملون ذاتياً كل أسباب الفشل والسقوط ... لقد انتهى ترامب محشوراً بين خيارات أحلاها يكتب فيه نهايته، سواء باتفاق تاركاً النظام، أو بالقنبلة أو استمرار النزيف كما هو كخيار هو الأسوأ.

أحدث الاخبار