فلسطين القويّة خارج حدودها

هناك مفارقة لافتة في الوضع الفلسطينيّ تتأتّى من البون الشاسع بين ضعف المركز الفلسطينيّ ـ وكيل القضيّة ـ وتفكّك الإرادة السياسيّة، وبين التأييد العالمي الشعبيّ والرسميّ للحق الفلسطيني وإدراج المسألة الفلسطينيّة ضمن جدول أعمال أوساط سياسيّة وثقافيّة وشعبيّة وإعلاميّة ومجتمع مدني على مدار العالم. كيف يُمكننا أن نفسّر هذه المفارقة؟ وهل هي عابرة أم مُقيمة؟ سؤالان يشكّلان معًا سؤالًا آخر يسأله الفلسطينيّ وغير الفلسطينيّ: المسألة الفلسطينيّة إلى أين؟ وهو السؤال الذي حاولت مجموعات فلسطينيّة أن تُجيب عليه في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وقُيّض لي أن أكون شريكًا في معظم نقاشات هذه المجموعات من موقع المنسّق لعملها. بيد أن الإجابة على السؤال الآن أكثر تعقيدًا مع حرب الإبادة على غزّة ومفاعيلها، ومع الحرب العدوانيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة والسعي الإسرائيلي ـ الأميركي ـ الإبراهيمي لتغيير خرائط الشرق الأوسط وحدود دوله وديمغرافيّته.

جرت النقاشات تحت عنوان "التفكير الاستراتيجي" أو "دراسة المستقبل" في إطار منهجيّة صاغها منظّرون بريطانيون تقول بأن من شأن التفكير الاستراتيجيّ وتصوّر المستقبل في حالات النزاع ـ مهما تكن خلفيّاته ـ أن يُسهم في اختراق الانسداد، وأن يُنتج خيارات خلّاقة غير تلك المتداولة. وقد استطعنا في التقرير الأخير من العام 2018 أن نتنبّأ بإمكانية حصول تصعيد بسبب تحوّل إسرائيل إلى نظام استعماريّ سافر وانسحابها من التفاوض ومن قرار تقسيم فلسطين من العام 1917. وهو ما حصل فعلًا، لا سيّما بعد تشريع قانون القوميّة. فقد شهدت فلسطين تصعيدًا عدوانيًّا بادرت إليه إسرائيل الرسميّة مستغلّة إقليمًا عربيًا ودوليًا مؤاتيًا. بيد أن أساس هذا التصعيد ـ وفق التقرير الاستراتيجي ـ هو الاعتقاد الإسرائيلي الذي يحظى بالإجماع، وهو أن إسرائيل قد انتصرت على الجوار في المئة سنة من التاريخ، وأن تفوّقها مُطلق على فلسطين والعرب عمومًا في القوة والاقتصاد (إسرائيل انضمّت في هذه الفترة إلى نادي الدول المُنتجة والمصدّرة للغاز) والثقافة والسياسة والتحالفات والتكنولوجيا. وهو اعتقاد ولّد الشعور بالقُدرة على تغيير قواعد اللعبة التي استندت إلى فكرة تقاسم فلسطين بهذا الشكل أو ذاك. وهو الذي يحصل منذ ذلك الوقت، ليس في مساحة فلسطين فحسب، بل في مساحة الشرق الأوسط برمّته وصولًا إلى القرن الأفريقي وإلى المغرب العربيّ.

في هذه الحقبة بالذات، التي تشهد اتساع "الإمبراطوريّة الإسرائيليّة" وانحسار فلسطين إلى شعب بدون إرادة تحاصره الجغرافيا والتاريخ، تكبر فلسطين خارج حدودها في وعي الدول والشعوب. نرجّح أن الأمر نابع من حقيقة إدراك متزايد في العالم، لا سيّما بعد حرب الإبادة على غزّة، على غياب العدل في العالم متجسّدًا في فلسطين.

والإدراك بغياب العدل هذا مقرون بإدراك مسائل أخرى. غياب العدل يعني حضور البطش والتوحّش والإبادة. وهناك ميل فطريّ لدى الناس لمناهضة التوحّش وغياب العدل، الأمر الذي ترجمه المناهضون في كل أنحاء العالم إلى تعديل لرؤية قضيّة فلسطين من مسألة احتلال إلى مسألة استعمار. ومن هنا الشعار المركزي "لِتُحرَّر فلسطين" (free Palestine) ورؤيتها من بحر إلى نهر، لا ضفّة ولا غزّة ولا داخل. وهو ليس شعرًا يُرفع في التظاهرات ويُهتف في وجه الشرطة في باريس أو لندن، بل هو الوعي العالمي المتزايد بعدم شرعيّة إسرائيل كما هي إلى الآن. وفي هذا تعديل شعبي ـ رسمي لقرار التقسيم غير العادل من وجهة نظر المناهضين للإبادة وسياسات إسرائيل كما هي. بمعنى أن الاحتجاج على غياب العدل لا يقتصر على الراهن، بل يعود بالمسألة إلى نقطة البداية ويُجزم أن غياب العدل بدأ في حينه يوم أضفى النظام الدوليّ الشرعيّة على دولة قامت على أنقاض شعب ووطن. وهي النقطة التأسيسيّة التي ما كانت لتقوم لولا التطهير العرقيّ الذي تطوّر إلى إبادة في الراهن. وقد أدرك العالم هذه السيرورة ومآلاتها وهو يهتف ضدّها.

بمعنى ما، يُريد العالم تصحيح التاريخ فيما يتّصل بفلسطين. وهذا "العالم" يواجه شرعيّة مائلة في نقطة البداية ومائلة جدًا فيما تلا ذلك، كونها لم تستطع أن توفّر للفلسطينيين حماية أو خلاصًا من الإبادة بصيغتها في غزّة. أمّا فلسطين، من حيث هي أرض وشعب وإرادة ونُخب، فقد تعرّضت منذ الانتفاضة الثانية إلى سلسلة من الضربات والقمع ومحاولات الشطب والتغييب، على نحو أسكتها في فلسطين أو أضعف صوتها في مواقع وجودها. فهي تتعرّض للإبادة والاقتلاع والتهجير والاعتقال ولكل أصناف القمع والاحتلالات المتكرّرة. فإذ بالعالم يصرخ الآن صرخة الفلسطينيين المكبوتة، ويحكي بصوتهم المخنوق في أقبية وسجون دولة إسرائيل. وهو صوت ليس عابرًا كما يُريده الإسرائيليون، بل سيبقى لردح طويل من الزمن لأسباب تتّصل باستفاقة أوساط سياسيّة وشعبيّة على مدار العالم من سطوة الرواية الإسرائيليّة. صحيح أن قوى رسميّة في مؤسسات الدول المختلفة، لا سيّما الأمنيّة منها، لا تزال أسيرة "أوامر" بقمع الصوت الفلسطيني (ملاحقة المؤيّدين والمناصرين لفلسطين) والرموز الفلسطينيّة (الأعلام والكتب والرموز المرئيّة)، مع هذا فإن المستقبل مفتوح لفلسطين وشعبها على أمل أن يُعاد صياغة مشروع وطني وإرادة جامعة.

أحدث الاخبار