
غزة -PNN- بعد نحو عامين ونصف العام من بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، يتكشّف مزيد من التفاصيل بشأن عمليات سرّية إسرائيلية في القطاع، بعضها فشل، وكذلك حول الطريقة التي خدعت فيها حماس إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد تكتم إسرائيلي على جزء من التفاصيل لفترة، في وقت يبدو أن المزيد سيتكشّف لاحقاً.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية، أمس الاثنين، أن جيش الاحتلال فعّل قدرةً خاصةً وسريةً، في محاولة لاستعادة أسرى إسرائيليين من قطاع غزة، فيما تكتمت المنظومة الأمنية على فشل العملية طوال الفترة الماضية، إلى جانب الكشف عن تفاصيل استخدام حماس رموزاً تعبيرية "إيموجي" للتواصل في ليلة السابع من أكتوبر، وفشل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في تفسيرها كمؤشر على هجوم.
ووصفت القناة 12 العبرية، مساء أمس، العملية الفاشلة لاستعادة أسرى بأنها "واحدة من أكثر العمليات الدراماتيكية لاستعادة رهائن خلال الحرب. في الجيش الإسرائيلي استخدموا قدرةً خاصةً وسريةً لا يمكن بطبيعة الحال التفصيل بشأنها، لكنهم نجحوا في دفع مسلحين للخروج من نفق في غزة". ولفتت إلى أن كبار مسؤولي المنظومة الأمنية تابعوا العملية بترقب شديد وشاهدوا كل شيء من داخل إسرائيل، وعندما أدركوا أن العملية لم تنجح، ساد شعور كبير بخيبة الأمل.
وبحسب القناة، كانت الخطة الأولية تهدف إلى "تحرير أسرى إسرائيليين" ونقلهم إلى موقع سري داخل دولة الاحتلال لأيام عدّة، في محاولة لتنفيذ عملية مشابهة لاحقاً. ومنذ لحظة فشل العملية، توقف استخدام هذه الطريقة، التي لم تتكشّف ماهيتها، ولم تُستخدم مرة أخرى. كذلك تكتّمت إسرائيل على العملية إلى أن سمحت الرقابة العسكرية بنشر هذا القدر من التفاصيل فقط.
رموز الإيموجي وتقديرات إسرائيل
بعد أكثر من عامين على هجوم السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)، سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر أن الشيفرة التي استخدمها عناصر حماس لبدء الهجوم كانت عبارةً عن رموز تعبيرية "إيموجي". وبحسب الرواية الإسرائيلية، لم تكن هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها حماس سلسلةً من الإيموجي، إذ استخدمتها مرتين في الماضي من دون أن تعقبها هجمات على إسرائيل. ووفق تفاصيل نشرها موقع واينت العبري، فإن الإيموجيات المتّفق عليها نُقلت عبر تطبيق مراسلة، وكانت بمثابة "كود التشغيل" لوصول العناصر إلى نقاط التجميع، تمهيداً للخروج إلى الهجوم، وكذلك للتزود بشرائح اتصال إسرائيلية.
وأشار التقرير إلى تفعيل عشرات شرائح الاتصال، بعضها إسرائيلية، في الساعة التاسعة من مساء السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ورصد جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" ذلك، وأبلغ عبر رسالة "واتساب" شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، التي بدورها أبلغت قيادة المنطقة الجنوبية. وبدأ نقاش أولي بين الجهات الاستخباراتية استمرّ حتى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً حول السبب المحتمل، وأشير خلاله إلى أن هذا الأمر يحدث في القطاع مرة كل بضعة أسابيع.
لاحقاً، وردت مؤشرات على وجود "تحركات" داخل حماس. وقدمت شعبة الاستخبارات العسكرية حينها تفسيراً مطمئناً مفاده بأن حماس تخشى من عملية اغتيال إسرائيلية في الأسبوع التالي، بعد تسريب من جلسةٍ للمجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت" عُقدت قبل أيام. كذلك قُدّم تفسير آخر مطمئن مفاده أن وحدة النخبة التابعة لحماس حافظت على روتينها المعتاد. وبعد نحو ساعة، وردت مؤشرات على "تحركات" إضافية، وكان التفسير الذي قُدّم من جيش الاحتلال لصناع القرار أن ما يجري عبارة عن أمور روتينية. وفي تلك الليلة أيضاً رُصد انحراف محلّي في منظومة الصواريخ التابعة لحماس، بحسب الرواية الإسرائيلية. وتبيّن لاحقاً أن قادة الخلايا الأولى في وحدة النخبة كانوا قد تموضعوا بالفعل في مواقع مخفية قرب الحدود.
وأوضح التقرير أن من بين القرارات التي اتُخذت حينها، رفع مستوى التأهب في منظومة القبة الحديدية في الجنوب، واستدعاء بعض الضباط من منازلهم، لكن من دون استدعاء قادة الكتائب الذين خرجوا في إجازة نهاية الأسبوع، وتعزيز المراقبة مع اقتراب الصباح بواسطة طائرتين مسيّرتين من سلاح الجو. وفي الساعة الثالثة فجراً، تلقى سلاح الجو الطلبات، واستعد قرابة الساعة السادسة لتحويل مسيّرة لجمع المعلومات وأخرى هجومية نحو غزة.
وبناءً على طلب قيادة المنطقة الجنوبية، نقل سلاح الجو أيضاً مروحية هجومية من قاعدة رمات دافيد في الشمال إلى قاعدة رامون في الجنوب، التي تبعد 20 دقيقة عن غزة. وبعد دقائق، جرى إبلاغ كبار المسؤولين في شعبة الاستخبارات العسكرية، بينهم رئيس شعبة الأبحاث. وكان هناك إجماع لدى الجميع على أن المعطيات لا تبرر حتى أدنى مستوى من الإنذار، لكنها تبرر رفع جاهزية القوات في الميدان وربما تعزيزها قليلاً. وفي تلك الساعة، نُقل ملخص تقييم الوضع إلى مجموعة الهواتف العملياتية للسكرتارية العسكرية لرئيس حكومة الاحتلال ووزير الأمن، لكن لم يُوقظ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن آنذاك يوآف غالانت، كما لم يتأكد أي شخص في الجيش من أن التقييم وصل إليهما أو قُرئ.
وبحسب الموقع العبري، في الساعة الرابعة فجراً فعّلت الطائرة المسيرة الثابتة والوحيدة فوق غزة الكاميرا لأول مرة بناءً على طلب قيادة المنطقة الجنوبية. ولم ير أحد في جيش الاحتلال ولم يسمع آلاف عناصر حماس الذين كانوا يتزوّدون بالمعدات ويستعدون لهجوم مركّب في 117 نقطة اختراق قرب الحدود. ومن بين الأسباب أن وحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية كانت قد أغلقت قدرات التنصت والمتابعة على عناصر الميدان في حماس قبل وقت طويل من الحرب.
على ضوء هذه الإشارات والتطورات، غادر قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال اللواء يارون فينكلمان منزله في الجليل الأعلى ليتولّى إدارة الحدث من مقر القيادة في بئر السبع. وقبل ساعتين من بدء الهجوم، أي في الساعة الرابعة والنصف فجراً، جرت مكالمة أخرى بين رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك هرتسي هليفي وقائد المنطقة الجنوبية فنكلمان حول المؤشرات التي لم تُفك شيفرتها. ووفق التقرير، قال هليفي: "لا توجد استنتاجات، كل شيء ممكن"، وطرح سيناريوهات محتملة مثل عملية تسلل من البحر، ووجّه بالاستعداد لخطوات رد سريعة، لكن فعلياً لم تُتخذ أي خطوة عملية لرفع مستوى الإنذار. كذلك تلقّى رئيس شعبة العمليات في حينه عوديد بسيوك تحديثاً بأن "الشاباك" سيرسل فريقاً من وحدة "تكيلا" إلى منطقة مستوطنات غلاف غزة. ورغم كل ذلك، فوجئت إسرائيل عند نحو الساعة السادسة والنصف صباحاً بالهجوم.