
بينما تنشغل التوازنات الدولية بملفات إقليمية ملتهبة، تدشن الحكومة الإسرائيلية مرحلة هي الأخطر في تاريخ الصراع منذ عام 1967. إن ما نشهده الان ليس مجرد "توسع استيطاني" تقليدي، بل هو الانتقال الفعلي من "الاحتلال العسكري" المؤقت إلى "السيادة القانونية" الدائمة، في تنفيذ متأخر ومطور لما بدأه قادة إسرائيل قبل قرابة ستة عقود.
في تموز 1967، وبعد أسابيع فقط من احتلال الضفة الغربية، تقدم "إيغال ألون" (نائب رئيس الوزراء آنذاك) بخطته الشهيرة التي قضت بضم الأغوار وشريط واسع على امتداد نهر الأردن، مع عزل الكتل السكانية الفلسطينية في جيوب إدارية مقطعة.
لسنوات طويلة، نُفذت هذه الخطة بـ "القطارة" عبر ما يسمى بالضم الزاحف. أما اليوم فقد تحولت "خطة ألون" من استراتيجية أمنية إلى عقيدة سياسية وإدارية شاملة تتبناها الحكومة اليمينية الحالية لإنهاء أي فرصة لقيام دولة فلسطينية.
ما يميز الإجراءات الجارية اليوم هو الانتقال إلى "الضم الإداري والقانوني". ففي خطوة غير مسبوقة منذ 1967، صادقت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً على بدء إجراءات "تسوية وتسجيل الأراضي" في الضفة الغربية. هذه الخطوة تعني ببساطة:
إلغاء القوانين الأردنية: التي كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب، مما يشرعن الشراء المباشر للمستوطنين.
رفع السرية عن السجلات: إتاحة سجلات الأراضي (الطابو) التي تعود للعهد العثماني، مما يسهل عمليات المصادرة تحت مسمى "أراضي الدولة".
نقل الصلاحيات: تحويل إدارة الشؤون المدنية من يد "القائد العسكري" إلى وزارات مدنية إسرائيلية (مثل وزارتي المالية والقضاء)، وهو الضم الفعلي بعينه.
لم يعد الطموح الإسرائيلي مقتصرًا على الـ 60% من الضفة (المنطقة ج). القرارات الأخيرة الصادرة في فبراير 2026 بدأت تمنح الصلاحيات للجيش والمنظومة المدنية الإسرائيلية بالعمل والهدم حتى في المناطق (أ) و (ب)، التي كانت نظرياً تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو، هذا يعني عملياً "ذوبان" الخطوط الفاصلة وإعلان نظام "الأبارتهايد" كواقع قانوني مكرس.
إن الفارق الجوهري بين 1967 و2026 هو أن إسرائيل انتقلت من "إدارة الصراع" بانتظار حل سياسي، إلى "حسم الصراع" بقوة القانون والبلدوزر. ما يجري اليوم هو إغلاق الدائرة التي فُتحت قبل 59 عاماً؛ حيث يتم تحويل الضفة الغربية من أرض محتلة إلى "جزء لا يتجزأ" من إسرائيل إدارياً وقانونياً، وسط صمت دولي لم يعد يملك سوى بيانات التنديد.
إن "ثورة الاستيطان" الحالية ليست رد فعل أمني، بل هي "هجوم سيادي" يهدف إلى تحويل القرى الفلسطينية إلى محميات معزولة في محيط كامل، وهو ما يجعل من عام 2026 عام "الدفن الرسمي" لحل الدولتين.