لماذا تسجل النساء معدلات وفيات أعلى خلال موجات الحر الشديد؟

لماذا تسجل النساء معدلات وفيات أعلى خلال موجات الحر الشديد؟

2026 Aug,07

تُظهر الدراسات الحديثة أن النساء يسجلن معدلات وفيات أعلى خلال موجات الحر الشديدة مقارنة بالرجال. وفي صيف عام 2022، عندما سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية، أثبتت الدراسات أن الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري بين النساء كانت أعلى بنسبة 56 في المئة من نظيراتها لدى الرجال.

يُعزى ارتفاع معدل الوفيات عند النساء تقليديًا إلى عوامل بيولوجية، مثل الفروقات في معدل التعرق ومساحة سطح الجلد وتوزيع الدهون في الجسم، بالإضافة إلى تأثير هرمون البروجسترون على درجة حرارة الجسم الداخلية. غير أن الباحثين يؤكدون أن هذا التفسير لا ينال القبول العلمي الكافي، إذ تُشير ألكسندرا شنايدر، عالمة الأوبئة البيئية ونائبة مدير معهد علم الأوبئة في مركز "هيلمهولتز ميونيخ"، إلى أن "الدراسات تُظهر عادة أن النساء أكثر عرضة لمخاطر الحرارة بنسبة طفيفة فقط مقارنة بالرجال؛ الأمر لا يشكل مؤشرًا قويًا للغاية".

رغم اعترافها بوجود فروقات بيولوجية حقيقية بين الجنسين، تؤكد شنايدر أن "ظروف المعيشة والبيئة الاجتماعية التي تعيش فيها النساء تشكل على الأرجح عامل خطر أكبر من مجرد الاختلافات في الحالة الهرمونية". يتفق توبي موندل، أستاذ علم الحركة في جامعة بروك بكندا، مع هذا التقييم، مؤكدًا أن "العوامل الأكثر تأثيرًا في كيفية تعامل الشخص مع موجة الحر هي العمر وحجم الجسم ومستوى اللياقة البدنية ومعدل النشاط المعتاد، وليس الجنس البيولوجي".

يشير موندل إلى نقطة طبية مهمة، وهي أن كون النساء يتعرقن بمعدل أقل لا يجعلهن أكثر عرضة للخطر، لأنهن يعوضن ذلك من خلال آلية أخرى: "إنهن يوجهن تدفق الدم نحو الجلد، أي يحدث لديهن توسع في الأوعية الدموية بشكل أفضل بكثير من الرجال". هذا التوسع الأكثر كفاءة في الأوعية الدموية يسمح بنقل الحرارة إلى سطح الجسم حيث يمكنها التبدد بفعالية.

توضح البيانات من ألمانيا هذا الاتجاه. فقد عزا "معهد روبرت كوخ" ارتفاع عدد الوفيات بين النساء إلى أن النساء يشكلن نسبة أكبر من الفئات العمرية المتقدمة جدًا. إلا أنه عند مقارنة الرجال والنساء من العمر ذاته، كان معدل وفيات الرجال أعلى من النساء. بعبارة أخرى، فإن ارتفاع الوفيات عند النساء يعود إلى كثرة أعداد النساء المعمرات الحية، وليس إلى عامل بيولوجي جوهري.

يعزز هذا الفهم البحث الذي أجراه لوري بارسونز من جامعة "رويال هولواي" بلندن، والذي يدرس تأثير الإجهاد الحراري على الاقتصاد العالمي. وجد بارسونز أن "النساء تقضي ما بين 30 و 50 في المئة وقتًا أكثر من الرجال في درجات حرارة مرتفعة خلال ساعات العمل". يعود السبب في ذلك إلى أن النساء يرتدين عادة ملابس أثقل عند أداء العمل نفسه، وإلى أن الرجال أكثر ميلًا للمطالبة بفترات راحة.

يضاف إلى ذلك فارق في طبيعة العمل ذاته. عمل الرجال يتسم بجهد بدني شاق وواضح للعيان، مما يُصنف كخطر مرتبط بالحرارة ويُقابل بفترات راحة أطول. بينما عمل النساء يتسم بطابع أكثر ثباتًا وأقل إجهادًا ظاهريًا، وبالتالي لا يحصلن على استراحة مماثلة. يقول بارسونز: "غالبًا ما يتخذ الإجهاد الحراري لدى الرجال طابعًا حادًا وملموسًا يُظهر لحظات واضحة من المعاناة الجسدية، أما الإجهاد الحراري لدى النساء فهو حالة مستمرة وإن كانت أقل وضوحًا، لعدم اقترانها بتلك الذروات الحادة خلال يوم العمل".

تتفاقم هذه المشكلة بعد انتهاء ساعات العمل. في حين يرتاح الرجال عادة، تنشغل النساء بأعمال الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال، وهو ما يعرضهن لتأثر مستمر بدرجات الحرارة المرتفعة. بهذا المنظور، يتضح أن المخاطر الفعلية لا تكمن في الاختلافات الهرمونية، بل في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعملية التي تحكم حياة النساء اليومية.

أحدث الأخبار