ما وراء الأسطورة: قدرات الكلاب الحقيقية في استشعار الأخطار

ما وراء الأسطورة: قدرات الكلاب الحقيقية في استشعار الأخطار

2026 Aug,07

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي آلاف المقاطع المصورة التي تظهر كلاباً تنقذ مالكيها من حوادث سيارات أو مناطق خطرة قبل وقوع الكارثة بثوان، لكن الدراسات العلمية تقدم تفسيراً مختلفاً عما يعتقده ملايين المتابعين حول هذه الظواهر.

وفقاً لخبراء متخصصين في سلوك الحيوان، فإن ما يُنسب للكلاب من قدرات خارقة للطبيعة ليس سوى استجابة طبيعية لحواس بيولوجية متطورة جداً. وتشرح الأبحاث الحديثة أن الكلاب تتمتع بقدرات حسية تفوق قدرات الإنسان بشكل كبير، خاصة في السمع والشم والاستشعار بالاهتزازات والتغيرات الدقيقة في البيئة المحيطة.

يؤكد ستانلي كورين، خبير علم نفس الحيوان من جامعة كولومبيا البريطانية والمتخصص في بحوث الكلاب على مدى عقود، أن معظم القصص المثارة حول تنبؤ الكلاب بالكوارث يمكن تفسيرها من خلال حواسها الاستثنائية. فالكلاب قادرة على سماع الأصوات الأولى لانهيار طبقات الصخور عند وقوع الزلازل، وهي أصوات تتجاوز بكثير حدود السمع البشري.

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الكلاب استشعار مصادر الحرارة بطريقة تشبه أجهزة الأشعة تحت الحمراء، وتلتقط أدنى درجات عدم الاستقرار والاهتزازات على السطح عبر مستشعرات اللمس الحساسة الموجودة بين باطن قدميها. وهذا يعني أن الكلب قد يتصرف بقلق قبل أن يبدأ الجسر في الاهتزاز أو قبل أن تنزلق السيارة على طريق مبلل، ما يفسر السلوك الذي قد يبدو خارقاً للطبيعة.

وتؤكد الدراسات أن حاسة الشم لدى الكلاب تفوق حاسة الشم البشرية بنحو 10,000 إلى 100,000 مرة. وقد أظهرت أبحاث متعلقة بالصرع والسكري والسرطان أن الكلاب قادرة على استشعار أدق التغيرات الكيميائية الحيوية في جسم الإنسان، سواء عبر العرق أو الهواء الذي يتنفسه الشخص.

في دراسة أجراها نيل باول من جامعة كوينز بلفاست، أظهرت 19 كلباً من كلاب العائلة ردود فعل مختلفة بشكل واضح تجاه عينات العرق المأخوذة من مرضى الصرع في المرحلة السابقة للنوبة، مقارنة بعينات المراقبة، ما يشير إلى وجود جزيئات متطايرة محددة يمكن للكلاب التقاطها.

والكلاب المساعدة لمرضى السكري والسرطان لا تعتمد على قوى خارقة للطبيعة، بل على الإشارات الفسيولوجية مثل معدل ضربات القلب وإيقاع التنفس وهرمونات التوتر، إضافة إلى أنماط المركبات العضوية المتطايرة وهي مجموعات نموذجية من الجزيئات العضوية تعكس الحالة الصحية للشخص.

وسعى فريق بحثي بقيادة مارتن ويكلسكي من معهد ماكس بلانك لبيولوجيا السلوك إلى دراسة هذه الظواهر بشكل أكثر دقة. قام الفريق بتزويد أبقار وأغنام وكلاب في إيطاليا بأجهزة استشعار، وراقبوا زيادة واضحة في النشاط قبل عدة زلازل، خاصة عند الحيوانات الموجودة في الحظائر. وتشير النتائج إلى أن هذه الحيوانات تستجيب للاهتزازات الدقيقة أو الموجات فوق الصوتية أو التأثيرات الكهربائية في طبقات الصخور، وليس لحدس غامض.

لكن يؤكد ويكلسكي أنه لا يمكن استخلاص تنبؤ موثوق من هذه القدرات بشأن الحوادث اليومية مثل حوادث السيارات والحرائق. وأشار إلى أن التحذير من حوادث السيارات يبدو مستحيلاً عملياً، إلا ربما عندما يتعلق الأمر بتوتر أصحاب الكلاب الذي قد يؤدي إلى حوادث.

وبخصوص الحكايات الشائعة حول تنبؤ الكلاب بأحداث مفاجئة، أوضح الباحثون أن هذه القصص غالباً ما يمكن تفسيرها بالصدفة أو التفسير اللاحق. فالكلاب قد تلاحظ أصواتاً غير عادية مثل صرير الإطارات أو آثار الدخان أو توتر أصحابها قبل ثوانٍ من أن يدركها الإنسان. وعند حدوث حادثة لاحقاً، يسهل اعتبار السلوك السابق للكلب، مثل اللهاث والنباح والإلحاح، بمثابة تحذير مسبق.

يشدد الباحثون على أهمية الفصل بين الأساطير والقدرات الحقيقية للحيوانات. فوفقاً للبيانات والدراسات الدقيقة، ما يظهر أنه "حاسة سادسة" هو في الواقع ميزة فسيولوجية: الكلب يستجيب مبكراً لمحفزات موجودة بالفعل، لكنها غير محسوسة بالنسبة للإنسان.

أحدث الأخبار