وادي السيليكون يفقد ثقة الجمهور بسبب سياسات الذكاء الاصطناعي

وادي السيليكون يفقد ثقة الجمهور بسبب سياسات الذكاء الاصطناعي

2026 Sep,07

سان فرانسيسكو/سما- اعترف بيل جيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بأنه كان سيبطئ تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لو أتيحت له الفرصة، معتبراً إياها أخطر أداة اخترعتها الإنسانية، في انتقاد حاد لنهج قطاع التكنولوجيا تجاه هذا المجال.

صرّح جيتس في مقالة نشرها في 26 أغسطس الماضي، وأعاد تأكيدها خلال مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، بأن قادة الشركات الكبرى يشعرون بقلق عميق إزاء سرعة تطور هذه التكنولوجيا ومدى جودتها، لكنهم يفضلون الصمت علناً خشية الإضرار بجهودهم في جمع تمويلات ضخمة. وسخر جيتس من فكرة الاعتماد على التنظيم الذاتي من قبل الصناعة، قائلاً إن "تنظيم ذاتي لأخطر أداة اخترعت على الإطلاق؟ لا، شكراً".

يعكس هذا الموقف تراجعاً ملحوظاً في ثقة الجمهور بشركات التكنولوجيا. فدراسة استقصائية أجرتها سي إن بي سي وجينيريشن لاب شملت 1088 أمريكياً من الشباب والشابات تراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة أظهرت أن أغلبيات ساحقة لا تثق بقادة قطاع الذكاء الاصطناعي. وكشفت هذه الاستطلاعات أن معارضة الجمهور لبناء مراكز البيانات الضخمة فاقت معارضته لمحطات الطاقة النووية.

وتكمن جذور هذا الغضب في التناقض الحاد بين المعايير التي يفرضها قادة التكنولوجيا على أطفالهم والمنتجات التي يطرحونها للعامة. فقد أقرت شركة ميتا، عملاق وسائل التواصل الاجتماعي، مؤخراً بتسوية قضائية تفرض قيوداً مشددة على استخدام الأطفال لتطبيقاتها فيسبوك وإنستجرام؛ إلا أن هذه القيود أخف من تلك التي يطبقها مسؤولوها على أطفالهم الخاصين. أعلن بيتر ثيل، أول مستثمر خارجي في فيسبوك، خلال مهرجان أفكار أسبن عام 2024، أنه يقصر استخدام أطفاله الصغار للشاشات على ساعة ونصف أسبوعياً، وهي ممارسة شائعة بين آباء وادي السيليكون. وأشار الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرج إلى أنه لا يريد أطفاله أن ينجرفوا سلبياً من مقطع فيديو لآخر على تطبيقاته.

اعترف تشاماث باليهابيتيا، الرئيس التنفيذي لشركة سوشيال كابيتال والمشارك في تقديم بودكاست أول إن، بأن "وادي السيليكون فقد تماماً ما كان يجعله عظيماً"، مشيراً إلى أنه تحول من مكان جاذب لأصحاب الرؤى المثالية إلى مركز تحتكر فيه الأرباح كل الاهتمام. وللمفارقة، كان باليهابيتيا نفسه قد نصح طلاب إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد بأن يركزوا على "احصلوا على المال، احصلوا على المال" أولاً ثم يناقشوا القواعس لاحقاً، مضيفاً أن "الأدوات التي صنعتُها تمزق النسيج الاجتماعي".

تجابه الصناعة ضغوطاً متزايدة من قيادات سياسية متنوعة. فسياسيون من الحزبين، من السيناتور الاشتراكي بيرني ساندرز إلى حاكم تكساس الجمهوري جريج أبوت، اتخذوا مواقف معارضة لتوسع مراكز البيانات في ولاياتهم. وفي فرجينيا، حسبت اللجنة المشتركة للتدقيق والمراجعة التشريعية أن مركز البيانات النموذجي الذي تبلغ مساحته 250 ألف قدم مربعة يوظف نحو 50 عاملاً بدوام كامل بعد بدء التشغيل، بينما استثمرت أمازون 35 مليار دولار في الولاية حتى عام 2040 مقابل توفير ألف وظيفة فقط على الأقل، بينما قدرت الإعفاءات الضريبية التي تمنحها الولاية للقطاع بـ 1.6 مليار دولار سنوياً.

دفع الهجوم الشعبي على صناعة الذكاء الاصطناعي قادتها إلى توجيه انتقادات لاذعة ضد المحذرين من مخاطرها، وخاصة داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك. وصف ديفيد ساكس، المستثمر في رأس المال الجريء والمسؤول السابق عن الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب، تحذيرات أمودي بأنها "مخطط متطور للاستحواذ التنظيمي قائم على إثارة الخوف"، رغم أقراره بأن هذه المخاوف قد تكون صادقة. غير أن جيتس وضع الأمر بجلاء: "هناك من يهاجم الشخص الأكثر صراحة بشأن الجوانب السلبية".

تحاول الصناعة أيضاً الضغط على الحكومة من خلال تمويل السياسيين الذين يعتقد قادتها أنهم سيعارضون التنظيم الحكومي. لكن التاريخ الاقتصادي الأمريكي يشير إلى فشل هذه الاستراتيجية. فقد ساهم رئيس جمهوري في إنشاء وكالة حماية البيئة وإدارة السلامة والصحة المهنية، رغم أن الشركات الأمريكية كانت آنذاك أكثر شعبية وتوظيفاً. وأقرّ هربرت شتاين، الذي ترأس مجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد نيكسون، بأن حكومة نيكسون فرضت لوائح تنظيمية أكثر من أي إدارة رئاسية منذ عهد فرانكلين ديلانو روزفلت.

يرى محللون أن الحل يكمن في تبني نصائح جيتس؛ فإنشاء هيئة تنظيمية فعالة، وضمان حماية حقيقية للأطفال، وكفالة استفادة المجتمعات المحلية من أكثر من مجرد 50 وظيفة مقابل الإعفاءات الضريبية الضخمة، ستكون خطوات أساسية لاسترجاع الثقة. وإلا فإن المعارضة الشعبية الناشئة ضد مراكز البيانات ستتسع وتشمل أوجه أخرى من هذه الصناعة.

اقرأ أيضًا:

أحدث الأخبار