كشف تقرير من مجموعة البنك الدولي لعام 2024 عن فجوة مهمة في تنفيذ استثمارات قطاع المياه، حيث لم يتم صرف نحو 28% من الموازنات المخصصة للقطاع خلال الفترة 2009-2020.
وفقًا للتقرير المعنون "تمويل مستقبل ينعم بالأمن المائي"، بلغ معدل التنفيذ الفعلي 72% فقط في المتوسط العالمي، وانخفض إلى 62% في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.
تُرجع المشكلة إلى أسباب تنظيمية بحتة وليس إلى قلة التمويل. فالحكومات تفتقر إلى مؤسسات فاعلة قادرة على تحويل الأهداف طويلة الأجل إلى مشاريع قابلة للتنفيذ في إطار زمني محدد.
يضاف إلى ذلك أن عمليات إعداد المشاريع تتم على عجل، وتتطلب الموافقات عبور جهات متعددة تفتقر إلى التنسيق الكافي فيما بينها. بحلول اكتمال استملاك الأراضي والتراخيص البيئية والموافقات، لا يتبقى وقت كافٍ في السنة المالية لتنفيذ المشاريع، فتعود الأموال غير المنفقة إلى الخزانة.
لا تقتصر هذه المشكلة على دولة واحدة، بل تمثل تحديًا هيكليًا يواجه عددًا من الدول في تحويل الاستثمارات العامة إلى نتائج ملموسة على الأرض.
يؤكد التقرير أن تخصيص الموازنة وحده لا يعني التنفيذ الفعلي. ما لم تُترجم الأموال إلى برنامج متعدد السنوات محكم التسلسل يعالج مراحل الاستملاك والتصميم والمشتريات والبناء بصورة منهجية، ستبقى هذه الأموال دون استخدام.
تبرز إدارة المالية العامة وإدارة الاستثمارات العامة كعنصرين حيويين في حل هذه المعادلة. الأولى تتعلق بكيفية تخطيط الحكومات وتخصيص وإنفاق الأموال العامة، بينما الثانية بكيفية اختيار وإعداد وتنفيذ مشاريع الاستثمار.
عندما تكون هذه النظم ضعيفة، كأن تفتقر إلى إطار للإنفاق متوسط الأجل أو مجموعة مشاريع جاهزة للتنفيذ أو التوائم بين الأهداف القطاعية والموازنات السنوية، فإن حتى وزارة الموارد المائية ذات التمويل الوافر ستعاني في تحويل المخصصات إلى بنية تحتية حقيقية.
تُظهر البيانات أن الدول التي تدرج الإنفاق على المياه ضمن أطر متسقة متعددة السنوات وتوائم موازناتها مع الاستراتيجيات القطاعية تحقق معدلات تنفيذ أعلى بشكل مستمر.
بناءً على ذلك، بادرت مجموعة البنك الدولي بمبادرة "المياه للمستقبل" تركز على أن تعبئة الموارد هي فقط نصف المعركة؛ النصف الآخر يكمن في ضمان قدرة الحكومات على استخدام الموارد المتاحة بكفاءة.
تسعى المبادرة من خلال "المواثيق الوطنية للمياه" إلى توحيد الحكومات وشركاء التنمية والمستثمرين حول أجندة مشتركة تدمج إصلاح السياسات وتعزيز القدرات المؤسسية والتخطيط الاستثماري والتمويل في إطار واحد.
حسب التقرير، فإن الأولوية الأكثر إلحاحًا—وهي كثيرًا ما يُغفل عنها—هي جعل الموازنات الحالية قابلة للتنفيذ. فالأموال غالبًا ما تكون متاحة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء النظم القادرة على وضعها موضع الاستخدام الفعلي.
