تتجاوز أهمية الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مسألة بقاء بنيامين نتنياهو، زعيم معسكر يمين اليمين، أو التيار الصهيوني الجديد (New Zionism)، كما يصفه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، في رئاسة الحكومة، إلى سؤال أعمق يتعلق برؤيته لهوية إسرائيل وطبيعتها، وقدرتها على حسم الصراع مع الفلسطينيين استنادًا إلى فائض القوة العسكرية، والاتجاه الذي ستسلكه الدولة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فعدم حصول معسكر نتنياهو على واحد وستين مقعدًا في الكنيست، وهي الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة ومواصلة تنفيذ رؤيته لبناء النسخة الثانية من إسرائيل، التي يعتقد أنها قادرة على حسم الصراع مع الفلسطينيين، وتثبيت وجود إسرائيل وهيمنتها الإقليمية، يمثل ضربة جوهرية لمشروعه.
وكان نتنياهو قد شرع في تنفيذ هذه الرؤية عقب انتخابات عام 2022، عندما حصل معسكره على 64 مقعدًا، ارتفعت لاحقًا إلى 68 مقعدًا بانضمام جدعون ساعر وكتلته "أمل جديد" إلى الائتلاف الحكومي. ومن ثم، فإن فشل معسكره في تجديد أغلبيته البرلمانية يثير تساؤلًا حول ما إذا كان هذا الفشل سيؤدي إلى تعطيل مشروعه، أم إلى إنهائه بصورة نهائية.
غير أن الدقة تقتضي الإشارة إلى أن إخفاق نتنياهو في تأمين أغلبية برلمانية لا يعني بالضرورة نهاية جميع التوجهات التي يتضمنها مشروع «إسرائيل 2.0»، ولا يضمن تحول السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من استراتيجية الإخضاع والتهجير إلى الاعتراف بحقهم في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة وفق مبدأ حل الدولتين.
فمعسكر التغيير، بزعامة غادي إيزنكوت، يشاطر نتنياهو بعض توجهاته الأمنية والاستراتيجية، لكنه يختلف معه بشأن هوية الدولة، ومكانة الشريعة اليهودية فيها، وحماية إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، وصورة إسرائيل الدولية، ومدى قدرة القوة العسكرية وحدها على تحقيق الأمن المستدام.
ورغم هذه المشتركات والخلافات، يبدو أن مشروع نتنياهو تلقى ضربة في جوهره، ولا سيما فيما يتعلق بإعادة تشكيل هوية الدولة، والاعتماد على القوة العسكرية بوصفها الأداة الأساسية لتحقيق الغايات السياسية والاستراتيجية.
ويمكن فهم مشروع "إسرائيل 2.0" بالعودة إلى الدراسة التي أعدها كوبي ميخائيل وغابي سيبوني، ونشرها معهد ميسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية في أبريل/نيسان 2025. وتنبع أهمية هذه الدراسة من تقديمها تصورًا لتجديد الدولة وهويتها وروحها القومية اليهودية، إلى جانب مراجعة أسس أمنها القومي.
وصحيح أن الدراسة لم تُعتمد بوصفها خطة رسمية لنتنياهو، إلا أن قراءة سياسات حكومته وممارساتها تكشف عن تقاطع واسع بين توجهاتها وتوصيات الدراسة.
وتحدد الدراسة غايتها في ضمان بقاء إسرائيل آمنة ومزدهرة، باعتبارها الدولة القومية للشعب اليهودي، وهي الغاية نفسها التي أجمع عليها مؤسسو الدولة قبل الإعلان عن قيامها عام 1948. لكنها تربط تحقيق هذه الغاية بتجديد الروح القومية اليهودية، وتعزيز التعبئة المستمرة والاستعداد للحرب، والتجذر في الأرض من منطلقات توراتية عبر الاستيطان، وترسيخ التضامن والمسؤولية المتبادلة.
وبذلك، تدعو الدراسة إلى تجديد هوية الدولة وإعادة تعريف طابعها للعقود المقبلة، بما يمنح الهوية القومية اليهودية ومتطلبات الأمن والتعبئة وزنًا متقدمًا في بناء إسرائيل الجديدة.
ويمكن قراءة هذا التوجه باعتباره نقدًا ضمنيًا للتيار الصهيوني المؤسس للدولة، بقيادة دافيد بن غوريون، الذي يصفه إيلان بابيه بالتيار الصهيوني الكلاسيكي، وتحميلًا له مسؤولية الإخفاق في حسم الصراع وتحقيق الغايات الصهيونية، نتيجة عدم بناء إسرائيل وفق المواصفات التي يطرحها المشروع الجديد.
ومن المهم الإشارة إلى أن الدراسة لا تدعو صراحة إلى التخلي عن الديمقراطية أو إلغائها لصالح الشريعة اليهودية. غير أنها تثير تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين يهودية الدولة وطابعها الديمقراطي، وحدود سلطة الأغلبية المنتخبة، ودور المؤسسات القضائية والإعلامية في تقييد هذه السلطة.
وقد نجحت إسرائيل، على مدى عقود، في توظيف صورتها الديمقراطية للتغطية على سياساتها تجاه الفلسطينيين، إلا أن هذه الصورة تعرضت لتآكل شديد في أعقاب الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من اتهامات دولية بارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.
ويكتسب هذا التناقض أهمية إضافية في ظل وجود قطاعات من المجتمع اليهودي الإسرائيلي ترفض إخضاع الدولة للشريعة اليهودية أو تقليص طابعها العلماني.
وفي هذا السياق، تطرح الدراسة إشكالية التوازن بين حكم الأغلبية، كما تجسد في انتخابات عام 2022، والقيود المؤسسية المفروضة على سلطتها، ولا سيما من جانب القضاء، وتدعو إلى الحد مما تصفه بالقوة المفرطة للسلطة القضائية.
وفي المقابل، فإن دفاعها عن استقلال الإعلام، مع الدعوة إلى ضبط دوره، لا يسمح باتهامها بالدعوة الصريحة إلى إلغاء الديمقراطية، لكنه يكشف عن رغبة في إعادة تنظيم العلاقة بين الهوية اليهودية للدولة ومضمونها الديمقراطي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المقصود بناء دولة يهودية أكثر منها ديمقراطية، أم دولة تستطيع التوفيق بين هويتها القومية اليهودية وحقوق جميع مواطنيها، بمن فيهم الفلسطينيون الذين يشكلون نحو 20–21% من السكان؟
من هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب عتبة الواحد والستين مقعدًا، التي أخفق نتنياهو ومعسكره في بلوغها، أهميتها السياسية والاستراتيجية. فتغيير القوانين وإعادة توزيع الصلاحيات وإعادة تشكيل المؤسسات يتطلب أغلبية برلمانية متماسكة، كما كان حال الائتلاف الذي حكم إسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية.
وعليه، فإن الفشل في تجديد هذه الأغلبية يعرقل قدرة نتنياهو على فرض مشروعه بواسطة معسكره وحده، وقد يحول دون استكمال إعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته.
وقد يجادل البعض بأن الانتخابات لا تمثل استفتاءً مباشرًا على جميع مكونات مشروع «إسرائيل 2.0»، وأن الناخب قد يرفض قيادة نتنياهو، لكنه يؤيد بعض التصورات الأمنية والقومية التي يتبناها المشروع.
وهذا جدل مشروع، غير أن الخطاب الانتخابي لمعسكر التغيير يشير إلى أن الإطاحة بنتنياهو ومشروعه السياسي كانت من أبرز دوافع التصويت. ولو احتفظ المشروع بقدرته السابقة على تعبئة الناخبين، لكان من الممكن أن يجدد معسكر نتنياهو أغلبيته البرلمانية.
وتضيف المشاركة الفلسطينية داخل الخط الأخضر بُعدًا مهمًا إلى هذه القراءة؛ إذ بلغت نسبة مشاركة المواطنين الفلسطينيين في الانتخابات نحو 80%، مقابل مشاركة عامة بلغت 77.7%، فيما حصل ممثلوهم على 19 مقعدًا، أي ما يعادل 15.8% من مقاعد الكنيست.
وتؤكد هذه الأرقام أهمية التنظيم والمشاركة السياسية للفلسطينيين في التأثير على التوازنات البرلمانية، وقدرتهم على الحد من فرص اليمين المتطرف في تشكيل الحكومة.
وهنا يواجه معسكر التغيير اختبارًا مباشرًا يتعلق بهوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي: هل يتعامل مع أصوات المواطنين العرب باعتبارها أصواتًا متساوية في الشرعية السياسية وتشكيل الحكم، أم يواصل استبعاد ممثليهم، بحثًا عن أغلبية يهودية حصرية؟
إن استبعادهم، رغم مشاركتهم الواسعة، يكشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية عندما تُخضع المساواة السياسية للانتماء القومي. أما الاعتراف بوزنهم السياسي، فيفتح المجال أمام مواجهة هذا الاتجاه، دون أن يضمن وحده إنهاء السياسات التمييزية والعنصرية بحق فلسطينيي الداخل.
وتكمن الأهمية الفلسطينية الأوسع في ضرورة التمييز بين تغيير الحكومة وتغيير المشروع السياسي الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين.
فدراسة "إسرائيل 2.0" تطرح بدائل للدولة الفلسطينية كاملة السيادة، تشمل ترتيبات إقليمية أو محلية لا تستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد تختلف حكومة إسرائيلية بديلة مع نتنياهو بشأن القضاء وإدارة المؤسسات وهوية الدولة، لكنها قد تستمر في رفض السيادة الفلسطينية.
ولذلك، لا يكفي قياس التحول الإسرائيلي بمقدار التحسن في الديمقراطية داخل المجتمع اليهودي، بل ينبغي قياسه أيضًا بموقف الحكومة الجديدة من المساواة الكاملة للمواطنين الفلسطينيين، ومن إنهاء الاحتلال، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
إن تعثر نتنياهو في تجديد أغلبيته البرلمانية يفتح الباب أمام تعطيل مشروعه لإعادة تشكيل إسرائيل بوصفها دولة تتقدم فيها الهوية الدينية والقومية اليهودية على القيم الديمقراطية والعلمانية، وتستبدل التسويات السياسية بالحرب الدائمة، وتؤمن بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيق غاياتها الاستراتيجية، وفق نموذج "سوبر سبارطة"
وهو المشروع الذي يبدو مستعدًا لتحمل العزلة الدولية، وتزايد العداء لإسرائيل، وتعميق الانقسامات الداخلية، وتآكل المناعة القومية، باعتبارها أثمانًا يمكن دفعها مقابل ضمان الوجود والتفوق العسكري.
وقد منحت المشاركة الفلسطينية الواسعة في الانتخابات فرصة إضافية لإعاقة هذا المشروع، لكنها لا تعني بالضرورة نهايته، ولا تضمن انتقال إسرائيل نحو تسوية سياسية عادلة مع الفلسطينيين.
وعليه، فإن تحويل النتائج الانتخابية إلى مكسب سياسي فلسطيني يتطلب برنامجًا وطنيًا واضحًا يحمي حقوق فلسطينيي الداخل، ويستثمر التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، ويربط أي تغيير في الحكم بموقف ملموس من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
والخلاصة أن الانتخابات ربما تكون قد أوقفت اندفاعة نتنياهو نحو بناء "اسرائيلي "، لكنها لم تقضِ بالضرورة على الأسس الفكرية والأمنية والسياسية التي يقوم عليها المشروع، ولم تُنهِ المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي في علاقته بالفلسطينيين.
ويبقى السؤال الحاسم: هل تغيرت القيادة الإسرائيلية وحدها، أم تغيرت معها قواعد العلاقة مع الفلسطينيين؟
