وقف الحرب وتنازل النظام الإيراني لشعبه ..مهند عبد الحميد

تبين أن قرار الحرب ضد إيران اتخذ مسبقا بالاتفاق والتفاهم بين ترامب ونتنياهو في اجتماع ولاية فلوريدا نهاية العام الماضي. 
كانت الاستعدادات للحرب تتم على نار هادئة وبغطاء التفاوض الأميركي الإيراني. الذي استخدم اقتصار التفاوض على بند السلاح النووي فقط كخدعة بعد سحب بندي التفاوض على الصواريخ البالستية والمليشيات المدعومة من إيران، ما شجع القيادة الإيرانية على الاعتقاد بأنها حيدت البندين محققة بذلك شرطا سياسيا مسبقا.  
لم يدر بخلد القيادة الإيرانية أنها وقعت في الشراك الأميركية مرة ثانية باستخدام المفاوضات للتمويه على الحرب كما استخدمت عشية حرب الـ 12 يوما في حزيران العام الماضي. 
ووقعت القيادة الإيرانية مرة ثانية في شراك الاستخبارات الإسرائيلية التي نجحت في تحديد زمان ومكان اجتماعات المستوى العسكري الأمني والسياسي الإيراني، في المرة الأولى بدأت إسرائيل الحرب بمهاجمة اجتماع القيادة الأمنية العسكرية والقضاء على أبرز رموزها وفي المرة الثانية بدأت إسرائيل الحرب بمهاجمة ثلاثة اجتماعات في وقت واحد ونجحت في قتل 48 قيادياً من النخبة السياسية والعسكرية والأمنية وكان على رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي.
هدف الحرب غير المعلن، هو السيطرة على إيران بشكل مباشر أو غير مباشر كمركز طاقة ومعادن وكموقع جيوسياسي استراتيجي، تلك السيطرة التي تأتي كجزء من استراتيجية السيطرة الأميركية الإسرائيلية على الشرق الأوسط، وكجزء من تغيير النظام الدولي وتجاوز منظوماته القانونية ومؤسساته المختصة واستبدالها بغطرسة القوة ومصالح الدولتين. 
الأهداف المعلنة وضعت في سياق السيطرة على إيران من خلال اتجاه في النظام الحاكم أو عبر استعادة النظام الملكي الشاهنشاهي وربما عبر معارضة تعود على ظهر دبابة أميركية. 
التغيير الجاري يتم عبر الطائرات الأميركية والإسرائيلية التي تقوم بتدمير منهجي للبنية العسكرية والإدارية والهياكل السياسية في كل المناطق الإيرانية وعلى نحو خاص العاصمة طهران، وفي هذا السياق يصبح تحييد التهديد النووي ووقف إنتاج الصواريخ البالستية، ووقف دعم الأذرع خارج إيران تحصيل حاصل. 
أما وقف قمع الاحتجاجات والمعارضة داخل إيران الذي تصدر قائمة الأهداف الأميركية فما هو إلا كذبة  كبيرة.  
جاءت الحرب امتداداً لسياسة ترامب ونتنياهو وتجلياتها في الانسحاب من مؤسسات الأمم المتحدة ومعاقبتها بوقف الدعم والترهيب والملاحقة، وفي السيطرة على النفط الفنزويلي بعد عملية اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، والحرب الجمركية المجنونة،  وحرب الإبادة في قطاع غزة وحرب التطهير العرقي والضم في الضفة الغربية والتوسع في سورية وجنوب لبنان وغير ذلك. 
هكذا تتم إعادة بناء عالم جديد بثنائية منتصر ومهزوم، وإخضاع كل شيء لمالكي القوة، بل والمطابقة بين مالكي القوة ومالكي الثروة. 
إنها الترامبية التي تتمرد على النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وتعمل بكل قوة على فرض نظام بديل. 
دور إسرائيل النتنياهوية أكثر خطورة وتعقيداً، بسعيها إلى بناء سيطرتها علي الشرق الأوسط بالقوة وبغطاء أيديولوجي يجعلها في حِلٍ من منظومة القانون الدولي، ومن قواعد العلاقة مع دول المنطقة التي تشاركت مع إسرائيل في اتفاقات ومعاهدات سلام. 
تعتقد حكومة نتنياهو أنها قادرة على تجاوز الاتفاقات المبرمة، وهي فعلاً تتجاوزها مع مصر وبخاصة الاتفاق الحدودي مع قطاع غزة – معبر رفح وفيلادلفيا ولا يرغب نتنياهو في أي دور إقليمي مستقل لمصر وبخاصة لجهة رفض الدولة المصرية لتهجير سكان قطاع غزة إلى الخارج وإصرارها على حرية تنقل الفلسطينيين ذهاباً وإياباً إلى القطاع. 
ولا تحترم إسرائيل اتفاقاتها مع الأردن كانتهاك الاتفاق حول المسجد الأقصى ودور مؤسسة الأوقاف الأردنية، وإلغاء القانون الأردني الذي يحظر ملكية الأراضي للأجانب وانتهاك كل ما له صلة بالشأن الفلسطيني وبخاصة التطهير العرقي وسياسة الخنق التي تؤدي إلى التهجير. 
حكومة نتنياهو لا تقول إنها غير ملتزمة بالاتفاقات لكنها تعمل على تجاوزها وبهذا المعنى تحاول إخضاع الدول التي أبرمت اتفاقات لشروط جديدة في سياق إعادة بناء السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ودولها. 
يلاحظ أن إسرائيل تنتقل من طور الاعتماد على  قبولها في المنطقة والتطبيع معها من خلال اتفاقات مع دول المنطقة، إلى طور فرض وجودها وأطماعها الاستعمارية بالقوة بوجود اتفاقات ودونها. 
ولا تعترف بأدوار إقليمية لمصر وتخشى من أي حضور أو صعود لها وتعتقد أن صعود هذا البلد يهدد السيطرة الإسرائيلية. 
ويلاحظ أن حربها على النظام الإيراني للحيلولة دون تعزيز دوره الإقليمي في أربع دول عربية إضافة إلى قطاع غزة. ولا يهم إسرائيل قطعاً مصالح ورضا شعوب المنطقة وبخاصة الشعب الفلسطيني الذي أصبح وجوده مهدداً بحرب إبادة وتهجير وتطهير عرقي بعد 7 أكتوبر.
الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران تندرج في إطار الحروب العدوانية الاستعمارية، وهي متناقضة الأهداف مع الشعب الإيراني وشعوب المنطقة التي دفعت وما زالت تدفع ثمناً باهظاً في هذه الحروب. 
بيد أن الدكتاتورية الدينية أو النظام الثيوقراطي أقام حاجزاً كبيراً بينه وبين الشعب الإيراني، باستبداده وبقمعه الدموي للحريات العامة والخاصة، وبقمعه للقوميات الأخرى، وكان يرى في احتجاجات ومطالب شعبه المشروعة خطراً من تدبير إسرائيل وأميركا والغرب وتستدعي القمع الشديد وهذا غير صحيح أساساً.  
إن الهوة العميقة بين الشعب والنظام لم تُردم بوجود عدوان خارجي، وهذا يفسر حالة العداء المتبادلة التي يحاول المعتدون الإفادة منها، والتي لم تحفز النظام على التراجع والتعامل مع الشعب كشريك أساسي في تطوير وبناء البلد وفي الدفاع عنه، والذي لا يمكن تحققه بمعزل عن إشاعة الحريات. 
ولم يُفد النظام اعتماده على ميليشيات - أذرع – ذات طابع طائفي في خمسة بلدان عربية هي: العراق وسورية ولبنان واليمن وفلسطين - الأخيرة غير طائفية – دون موافقة دولها وأكثرية داخل شعوبها. 
فشلت هذه التجربة لأن النظام استخدمها كأوراق ضغط لتحسين شروطه التفاوضية وليس للتحرر والخلاص من الاحتلال ودون أن يقيم وزناً للمقومات الضرورية في ممارستها لدورها المقاوم منسوباً لميزان القوى ولقدرات إسرائيل في حسم المعارك. لا شك في أن إطالة الحرب هدف أميركي إسرائيلي، ولا ينبغي للنظام أن يتيح لهما ذلك، إن وقف الحرب بأسرع وقت، وتراجع النظام لصالح شعبه وقواه الديمقراطية الوطنية هو المخرج الذي يقطع الطريق على تدمير إيران والهيمنة على مواردها. 

أحدث الاخبار