
معظم ما يُنشر عن الحرب في إسرائيل وأميركا والغرب عمومًا في وسائل الإعلام، التي يملكها أصدقاء إيبستين والخلايا التي فرّخها هنا وهناك، تُعتّم على مجريات الحرب وتفاصيلها، خاصة على الخسائر في الجانب الأميركي - الإسرائيلي والمتواطئين معه.
ومُعظم المحلّلين في الجانب المعتدي يواصلون الكذب والتضليل، يكرّرون ما ينتج عن تقلّبات مزاج ترامب والدعاية الإسرائيليّة. أما مناصرو إيران فهم، أيضًا، لا يُساعدوننا كثيرًا في تبيان اتّجاه الريح في هذه الحرب، وإن سمعت تقارير لافتة من داخل إيران وتحليلات من مناصرين لها معتدلة في تقديراتها ولغتها عكس الإعلام الإسرائيلي، الذي يحكي عن الحرب كأنها حفلة جنس جماعيّة. علينا إذا أن نُقدم على تقييم الحرب ببرود شديد؛ كي نسجّل تقييمًا لما حصل مع دخولها شهرها الثاني. سأحاول.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
- إيران التي رثوها بعد حرب الـ 12 يومًا، ورثوا حرسها وقدراتها بالتبجّح والغطرسة والاستعلاء، انتقلت في أيام قليلة من احتواء الهجمات الأولى إلى هجوم مدروس ومُخطّط في كثير من المستويات والمواقع، عسكريًّا ودبلوماسيًّا. وسرعان ما انتقلت إلى المبادرة مع إغلاق مضيق هرمز. كلّ ما قالته فعلته على الأرض بدقّة. مقابل فشل كل من إسرائيل وأميركا في كل شيء، سوى مواصلة التقتيل والتدمير.
- حزب الله الذي تبجّح الإسرائيليون متغطرسين بالقضاء عليه بشكل شبه تام، وتدمير ترسانته من الصواريخ يلقّنهم دروسًا في الصمود والقتال، شهر كامل وهم يروحون ويأتون دون أيّ تقدم في منطقة كانت خالية من الناس والمقاتلين. فيأتي الانتقام من البنية التحتيّة ومن المدنيّين في لبنان.
- ممارسة الضغط النفسيّ والسياسيّ بواسطة الناس في طهران وجيوب المعارضين، الأكراد في غرب إيران مثلًا، وبواسطة المهجّرين من جنوب لبنان ينقلب على المعتدين، بدلالة أن النظام في إيران يحظى أكثر وأكثر بالتفاف المعارضين قبل المناصرين، وكذلك في لبنان، فقد أنتجت الحرب في إيران ولدى أوساط المعارضة موجات من التضامن مع الوطن ضد الأجنبي، بخطاب واضح ضد الحرب وسياسات مشعليها. وقد رأينا في لبنان نشوءًا لطبقة واسعة من السياسيين الجُدد، نساءً ورجالًا من كلّ الانتماءات، تلتف حول حزب الله وتهدّد باستبدال كلّ الطبقة السياسية المتقادمة.
- الانسداد في الحرب والعمليات ناتج عن انسداد الأفق لدى صنّاع القرار في بؤرة إبستين وتل أبيب وواشنطن، وعواصم التواطؤ العربيّة. فهم لا يعرفون ماذا يفعلون في كلّ أهدافهم التي فشلت. أين سيذهبون بوعودهم للناس والرأي العام؟ يواصلون قصف مقدّرات إيران ومدنها التاريخيّة، والضاحية ومواقع المهجّرين. أمّا إيران فتبدو الآن أكثر قُدرة على المناورة خاصة إذا لجأت إلى إغلاق باب المندب، أيضًا، أو إلى تفعيل الجبهة العراقية بكامل طاقتها، إلى الآن امتنعت عن الأمرَين لحين تقتضي الحاجة.
- الضغط الشعبي الأكبر موجود في أميركا وفي إسرائيل، في هذين الموقعين تواجه الحكومتان ضغوطًا متزايدة من الداخل والخارج لوقف حرب فاشلة بنيويًا، وليس بسبب إطالتها أو عدميتها. مظاهرات الملايين في 50 ولايةً تُثبت ذلك، و"التصدّعات" في الجبهة الإسرائيليّة بدأت تظهر. أُتابع المعقّبين في إعلامها وأكتشف حجم المعارضة الواسع للحرب، التي بدأت تجبي من الإسرائيليين أثمانًا لا يستطيعون دفعها، رئيس بلدية كريات شمونة مثالًا.
- في إسرائيل وأميركا، تقديرات عسكرية تُفيد بأن الجيشَيْن في البلدين غير قادرين على مواصلتها أو حسمها بأي شكل من الأشكال. ونُشير هنا إلى ما أعلنه رئيس أركان الحرب الإسرائيليّة، من أن جيشه يكاد ينهار خاصة وأن ما لديه من الاحتياط لم يعد يكفي لجبهات متعدّدة. يبدو لي أن حجم المغامرة كان أكبر بكثير من استعدادات واشنطن وتل أبيب لحرب طويلة. ذهنية الحرب الخاطفة المدمّرة، وعقيدة التكنولوجيا كقدر فشلتا فشلًا ذريعًا، لأن إيران تبدو صاحبة المبادرة رغم كل الخسائر، وهي كثيرة ومتعددة المستويات.
- هناك فشل استخباراتي مدوٍّ في تل أبيب وفي واشنطن بشأن تقدير قُدرات إيران وحزب الله العسكرية، سواء كان ذلك من حيث نوعية هذه القدرات وكمّياتها ومداها ومواقع انتشارها. طبعًا هناك فشل موازٍ في تقدير القدرات المعنويّة للشعب الإيراني، ولحزب الله وبيئته. فقد رشح عن حلقة نتنياهو في محاولة لتفسير عدم سقوط النظام، أن رئيس "الموساد" همس له بأن تغيير النظام في إيران ممكن مع ضربة قويّة لرأس هذا النظام. وهو ما اتضح كأُمنية في رأس قائلها فقط. العقيدة القتالية وروح الردّ الإيراني واللبناني الآخذَيْن بالتصاعد والتعمّق، ينسفان أسس هذه الحرب من وجهة نظر مُشعليها، وفي مقدّمتها الغطرسة والاستعلاء والاستخفاف. يظهر هذا في الأداء الميدانيّ على كلّ رقعة الحرب، وفي مستوى الخطاب والتعبئة. الاتّجاه في إيران ولبنان نحو ارتفاع، وفي إسرائيل وواشنطن نحو الهبوط.
- استطاعت إيران أن تحشد "الاقتصاد" في معركتها، وهي التي عانت لعقود من عقوبات اقتصادية أميركية ـ غربية. انقلبت المعادلة في هذه الحرب لصالح إيران، من جهة تحميل أعباء هذه الحرب لغيرها، أو ردّ العقوبات على شكل التحكّم بطريق إمداد رئيسيّ في الاقتصاد العالمي. أسعار النفط مرشّحة للارتفاع والمصاعب الاقتصادية في الإقليم والعالم في طريقها إلى التعمّق. هذا يضغط أميركا وإسرائيل ألف مرّة أكثر ممّا يضغط إيران.
- ستغيّر الحرب فرضيّات استندت إليها السياسات والعلاقات في الشرق الأوسط وفي العالم. فإذا صحّت التقديرات أن الحرب، إذا استمرّت، فسيستمر نزف المنطقة كلّها، وإذا انتهت فبانتصار إيران، يعني أن قوانين اللعبة تغيّرت. فإذ فشلت كل أهداف نتنياهو وترامب، وبقيت إيران على نظامها وأصولها وقدراتها، فمن المرجّح أنها ستفتح كلّ الملفات من جديد على مستوى العالم، وتتقدّم دول إلى الواجهة وتعلو أصوات بضرورة إنهاء هيمنة الإمبراطوريّة الأميركيّة، التي تهاوت هيبتها لترتدّ وتتراجع إلى حجمها الحقيقيّ. وهي أصوات بدأت في أميركا نفسها، وفي الحلقات حول الرئيس نفسه. ومن الطبيعيّ أن يكون لها صداها في كلّ الأوساط التي سجدت لهذه الإمبراطوريّة، ووقّعت لها على الشيكات المفتوحة. وسيصل صدى هذا الصوت إلى داخل إسرائيل وقد بدأنا نرى الانقضاض المدروس والواسع على ما يُمثّله نتنياهو واليمين الفاشيّ، وهو انقضاض يشمل النقد الواضح والصريح ضد الحرب على إيران ولبنان.
- لا نعرف إذا كان هناك أي تعاون حربي مباشر بين إيران وبين كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية، لكننا نعرف أنها استفادت من خبرات ومنظومات سلاح وتكنولوجيا وخبراء جاءوا من هذه الدول. ويُرجّح أن الأقمار الصناعية لكل من الصين وروسيا أسهمتا في دعم قاعدة البيانات المتوفّرة للقوات الإيرانية، وهو عمق إستراتيجي عسكري ودبلوماسي لإيران التي لا تحارب وحدها. وهي حقيقة تعمل لصالحها في مواجهة حرب فُرضت عليها.
- من نتائج الحرب إلى الآن استفاقة كثيرين في البيئة العربية من ذهنية أن الخسارة ماحقة ونهائية لكلّ من يجرؤ على "الإمبراطوريّة" وسياستها. وهي الذهنية العامة السائدة منذ عقود، (انظر إلى مسؤولي لبنان ونظام سورية الجديد و"السلطة الوطنية" مثلًا). لقد بدأنا نلمس توجّهات تكفر بهذه الذهنية التي تعني فيما تعنيه الخضوع والخنوع والتواطؤ، بدعوى الواقعيّة السياسيّة، وتصححها من جذورها. ولهذا عمق إستراتيجي واسع في العالم بأسره. صحيح أن ضربات الإمبراطويّة ظاهرة هنا وهناك، لكنّ صوت المقاومين، أيضًا، واضح ويتخذ له أشكالًا كثيرة. من هنا فإن هذه الحرب استمرّت شهرًا آخر أو توقّفت هنا، فهي نُقطة مفصليّة في فرضيات المنظومة الدوليّة، وعلاقات الدول بعضها ببعض، وبـ"الإمبراطوريّة".
- القرن التاسع عشر شهد انحسار الإمبراطوريات كلّها، والقرن العشرون أفل نجم الاستعمار وبريطانيا وفرنسا من خلال حروب، (حرب سيناء مثلًا والجزائر)، وتغيّرات جيوسياسيّة واسعة. وها نحن نشهد ذلك الآن. "القرن الأميركي" الذي بدأ عشية الحرب العالمية الثانية يوشك أن ينتهي.
اقرأ/ي أيضًا | الحرب من نقطتين في التاريخ