
ماذا تعني الحرب على إيران للعرب؟ محمد ياغي
تشكل الحرب الأميركية على إيران لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، ليس فقط بسبب مخاطرها العسكرية والاقتصادية، بل أيضاً بسبب ما تكشفه من تحولات عميقة في طبيعة النظام الإقليمي والعلاقات الدولية. فهذه الحرب تطرح أسئلة أساسية تُطال طبيعة القرار الأميركي في الشرق الأوسط، ودور إسرائيل في صياغته، ومستقبل النظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي.
ومن خلال قراءة المعطيات المعلنة والتصريحات الرسمية، يمكن القول، إن النقاش الحقيقي حول هذه الحرب لا ينبغي أن ينطلق من الروايات المعلنة لتبريرها، بل من الوقائع التي أصبحت معروفة بشأن كيفية التخطيط لها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ومن هنا يمكن فهم هذه الحرب في إطارها الأوسع: كجزء من صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وعلى موقع إسرائيل فيه.
نعلم أن الحرب الأميركية على إيران تُشن بطلب من إسرائيل وخدمة لها. فلقد صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الثاني من آذار الماضي بأن «العمل الإسرائيلي المخطط ضد إيران… هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى شن الضربات عليها»، وهذا الكشف عن تبعية إدارة ترامب لإسرائيل هو ما جعلها تُطلق سلسلة من الأكاذيب أهمها أن إيران كانت تحتاج إلى أسبوع لإنتاج قنبلة نووية، وان الرئيس الأميركي هو من أخذ قرار الحرب لمنعها من تحقيق ذلك.
ونعلم أيضا أن الحرب خُطط لها قبل أشهر من بدء أي مفاوضات مع إيران، وأن تلك المفاوضات لم تكن سوى وسيلة لخداع الإيرانيين، حيث أشارت وكالة رويترز في الرابع من آذار الماضي إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تخططان للعملية العسكرية منذ أشهر، وأن توقيتها كان قد حُدد قبل أسابيع من بدأ الحرب.
علاوة على ذلك، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن الحرب كان مُخططاً لها في شهر حزيران القادم، لكن تم تقديم موعدها بسبب معلومات استخبارية توفرت لديهم عن إمكانية اغتيال المُرشد الإيراني خامنئي حيث قال، «لقد كانت هناك عملية مخطط لها لمنتصف العام»، إلا أنه «أصبح من الضروري تقديم كل شيء إلى شباط بسبب معلومات استخباراتية».
إذا أخذنا هذه التصريحات معاً، فإنها تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تتفاوض مع إيران بنية الوصول إلى اتفاق معها ولكنها كانت تحاول خلق انطباع بوجود مفاوضات بينما كانت تستعد للحرب مع إسرائيل لأن هذه الأخيرة تريدها.
إذا جمعنا كل ذلك مع استطلاعات الرأي العام الأميركية التي تُظهر أن غالبية الأميركيين (59%) وفق استطلاع رأي أجرته الـ«سي إن إن» يعارضون الحرب، يمكن الاستنتاج بشكل شبه قاطع أن هذه الحرب هي إسرائيلية يُنفذها الجيش الأميركي.
وعليه يصبح السؤال المركزي إذا ما كانت الولايات المتحدة تمتلك سياسة شرق أوسطية مُستقلة عن إسرائيل، أم أنها ببساطة تُنفذ ما تريده الأخيرة حتى لو تعارض ذلك مع مصالح شعبها ومع مصالح حلفائها العرب.
ولا حاجة لنا للتعمق في الإجابة عن هذا السؤال حيث إن الدلائل جميعها تُشير بأن إدارة ترامب هي مُجرد وكيل لإسرائيل في المنطقة وليس العكس. بمعنى أن المقولة الشهيرة التي بنى الكثير من المُنظرين العرب استنتاجاتهم عليها وهي أن إسرائيل قاعدة متقدمة لأميركا في المنطقة ليست خاطئة بالمطلق ولكنها بحاجة للتعديل، لأن هذه القاعدة أصبحت هي من يقرر سياسات أميركا في الشرق الأوسط.
وبالتالي فإن الأقرب للحقيقة هو القول، إن هذه القاعدة، بمعنى إسرائيل، أصبحت تُهمين على مركز القرار في الدولة التي ترعاها وهي الولايات المتحدة، خصوصا في المنطقة المتعلقة بمحيط هذه القاعدة.
هذا الاستنتاج مهم جداً خصوصا لتركيا ومصر ودول الخليج العربي ولكل العرب عموما لسبب بسيط، وهو أن جميعهم يفترض أن تحالفه مع الولايات المُتحدة يحميه ليس فقط من إيران ولكن من إسرائيل نفسها، بينما الحقيقة هو أن لا حماية لهم بالمطلق من الأخيرة، في حين أن الشعور بالتهديد الإيراني ناتج عن استسلام الولايات المتحدة للسياسات الإسرائيلية والتي جعلت من مسألة تدمير إيران سياسة رسمية لها.
لكن تبعية القرار الأميركي لإسرائيل لا تطرح فقط سؤال الاستقلال السياسي، بل تطرح أيضاً سؤال الشرعية القانونية لهذه الحرب لأن الحرب على إيران، اليوم، تُشن دون تفويض من مجلس الأمن الدولي وهي بالتالي عدوان على دولة ذات سيادة. وعندما يقول بعض القادة الأوروبيين، مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إن «نظام الملالي نظام إرهابي مسؤول عن عقود من قمع الشعب الإيراني»، ويشجع على تغيير النظام الإيراني بالقوة، فإن سؤالاً آخر مهماً يطرح نفسه وهو إذا ما كانت الحكومات الأوروبية ما زالت تؤيد نظاماً دولياً تحكمه القوانين الدولية، أم أنها تفضل العودة إلى منطق الاستعمار المُباشر.
وتتحمل ألمانيا، على وجه الخصوص، مسؤولية تاريخية ثقيلة في كل ما يتعلق بقضايا الحرب والسلم في النظام الدولي. ففي القرن العشرين، ساهمت النزعة العسكرية الألمانية في اندلاع حربين عالميتين أسفرتا عن مقتل نحو 100 مليون إنسان. ولذلك فإن موقفاً أخلاقياً ذا مصداقية من ألمانيا ــ ومن أوروبا عموماً ــ يتطلب التزاماً صارماً بالقانون الدولي، وليس انحيازا وقحا لإسرائيل، وهو ما يتطلب منها ومن غيرها من الدول الأوروبية الانحياز لنظام دولي قائم على احترام قواعد القانون الدولي، وليس على الانصياع لرغبات إسرائيل.
لقد عارضت جميع الدول العربية ــ ولا سيما دول الخليج ــ هذه الحرب وحاولت منعها لأنها أدركت تكلفتها العالية المحتملة عليها وعلى المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، يبدو أن إدارة ترامب خَلُصت إلى أن مصالح دول الخليج العربي، بل واستقرار الشرق الأوسط بأكمله، مسألة ثانوية لها مقارنة بما تُفضله وتريده إسرائيل.
وهذا يطرح سؤالاً استراتيجياً مهماً لدول الخليج العربي وللعرب عموما، لماذا ينبغي لهم الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة في أمنهم إذا كانت واشنطن قد أظهرت استعدادها للتضحية بهم أجل تلبية الرغبات الإسرائيلية.
الحقيقة أن دول الخليج العربي لم تتفاجأ بما تقوم به إيران من قصف للقواعد العسكرية الأميركية على أراضيها ومن إغلاق لمضيق هرمز وضرب حتى لمنشآت نفطية، فهذا هو السيناريو الأسوأ الذي تخيلته إن حدثت حرب على إيران هدفها تغير النظام فيها وتدمير مقدراتها العسكرية وبناها التحتية.
المفاجأة كانت لدول الخليج العربي من السلوك الأميركي الذي تخلى عنها وعن مصالحها بهدف تنفيذ ما تريده إسرائيل. لقد أدارت أميركا ظهرها لكل حلفائها في الشرق الأوسط واختارت الانصياع لإسرائيل، وهو ما يفرض عليها أن تعيد حساباتها وتحالفاتها الدولية، بما في ذلك التخلص من القواعد الأميركية على أراضيها وبناء نظام أمني إقليمي يعتمد على قواها الذاتية بالتحالف مع دول إقليمية ومن خارج الإقليم أيضا شريطة أن تكون سياساتها مُستقلة عن إسرائيل.
في النهاية، من غير المرجح أن يحدث تغيير للنظام في إيران من دون قوات برية. التاريخ يقول لنا، إن الحملات الجوية لا تغير أنظمة لكنها تدمر بنى تحتية وتُفقر دول وتُضعفها وهو ما يبدو لي الهدف الحقيقي للحرب، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام مع مرور الزمن وبعد أن تضع الحرب أوزارها.
هذه استراتيجية غبية لأن نتائجها مفتوحة على جميع الاحتمالات:
في أحد طرفيها قد تكون السيطرة المُطلقة للتيار الأكثر تشددا على الحكم في إيران وفي نهاية الطرف الآخر تفكيك الدولة الإيرانية، وفي هاتين الحالتين لا يوجد سلام أو أمن لأحد في المنطقة وأوروبا.
في الختام، إذا كانت هذه الحرب قد شُنت لخدمة الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، فإن نتائجها وتبعاتها الأمنية والسياسية ستطال المنطقة بأكملها، وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة التفكير في تحالفاتها وسياساتها وفي علاقاتها مع الولايات المتحدة وفي طبيعة النظام الأمني الإقليمي الذي يخدم مصالحها.