
عكست صور قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، مستقبِلًا الوفدين الأميركي والإيراني في إسلام آباد؛ قوّته كرجل سياسي ودبلوماسي قادر على الدفع ببلاده للاضطلاع بأدوار كبيرة على الساحة الدولية.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وقال المحلل السياسي، قمر شيما، من إسلام آباد عن منير، "إنه جندي ورجل دولة ودبلوماسي. لقد أحدث زخمًا لباكستان على المستوى الدولي لتغيير نظرة العالم إليها".
وحظيت مساعي باكستان بإشادة دولية، إذ جمعت إيران والولايات المتحدة حول طاولة مفاوضات مباشرة على أعلى مستوى منذ عقود، لإنهاء أسابيع من الحرب، وأثارت أيضًا المفاجأة.
وكان منير في قلب الحدث، عندما استقبل كِلا الوفدَين عند وصولهما، وأظهر ودًا ملحوظًا مع فانس.
وخلال المحادثات الثلاثية التاريخية وجهًا لوجه، ساعد منير ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، في التوسط في النقاشات، بحسب الوزير.
قطعت باكستان شوطًا طويلًا للوصول إلى هذا المستوى، بالنسبة لبلد كان تحالفه مع واشنطن مضطربًا، إذ كثيرًا ما انتقدت واشنطن إسلام آباد بعد إطاحة القادة العسكريين بالحكومات المدنية، رغم أنها تعاملت معهم.
وأشار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مرارًا إلى منير باعتباره "مشيره المفضل"، وذلك بعد نشوء علاقة ودية بينهما خلال جهود الولايات المتحدة لنزع فتيل نزاع مسلح قصير ولكن شديد، بين باكستان والهند في العام الماضي.
وقد أشادت باكستان بترامب عقب ذلك النزاع، ورشحه رئيس وزرائها، شهباز شريف، لجائزة نوبل للسلام. فيما قللت الهند في المقابل من شأن الدور الأميركي في حل الأزمة.
وانتهت محادثات نهاية الأسبوع بإعلان فانس أنه سيغادر إسلام آباد من دون التوصل إلى اتفاق، لكن باكستان قالت إنها ستواصل تسهيل الحوار.
وقال شريف في خطاب متلفز قبل ساعات من بدء المحادثات، "لقد اضطلع المشير منير، من خلال جهوده الدؤوبة، بدور رئيس وتاريخي في إخماد نيران الحرب، وفي جمع الطرفين على طاولة المفاوضات".
دور "عملي"
تزامن تعاظم دور منير في تمثيل مصالح بلاده على الساحة الدولية مع ترسيخ النفوذ العسكري في باكستان، بتدابير شملت منحه حصانة قانونية غير مسبوقة، وتمديد ولايته. وقد اضطلع الجيش ككل بدور أكثر بروزًا في الحكم.
يقول النقاد والمعارضة السياسية، إن هذه الإجراءات والإصلاحات الدستورية الشاملة قد جرفت الديموقراطية في باكستان، مع سجن رئيس الوزراء السابق، عمران خان، الذي كان صريحًا في معارضته للجيش بعدما عمل معه عن كثب في السابق.
وبالرغم من الانتقادات، نفى الجيش مرارًا تدخله في القضايا التي يواجهها خان، وفي إدارة الشؤون المدنية.
ويؤكد شجاع نواز، الباحث في منظمة المجلس الأطلسي، ومؤلف كتاب "معركة باكستان: الصداقة المريرة مع الولايات المتحدة والجوار الصعب"، إن "الجيش يتمتع الآن بأعمق اختراق وسيطرة على الاقتصاد والقضاء على الإطلاق".
حكم الجيش باكستان بشكل مباشر لما يقرب من نصف تاريخها، وذلك عبر سلسلة من الانقلابات منذ حصولها على الاستقلال عام 1947.
وفي ظل الحكومات المدنية والعسكرية على حد سواء، كانت دائما الشؤون الخارجية مجالًا ذا أهمية بالنسبة إلى الجيش الباكستاني.
وطالما اعتبر الدبلوماسيون والشخصيات الأجنبية البارزة، الاجتماع مع قائد الجيش في مدينة روالبندي العسكرية القريبة من العاصمة، بندًا مهمًّا في جداول أعمالهم.
وعندما تولى منير، الذي رأس سابقًا جهاز المخابرات، قيادة الجيش في عام 2022، بدا أنه يفضل أن يكون ظهوره أقل في الأوساط الدبلوماسية مقارنة بسلفه الجنرال، قمر جاويد باجوا، غير أن هذا الانطباع تغيّر مذّاك في العواصم الكبرى.
يقول شجاع نواز لوكالة "فرانس برس"؛ "يبدو أن المشير عاصم منير أكثر انخراطًا عمليًا في مسائل الحكم والسياسة الخارجية من أسلافه".
ويتابع "لقد أثبت قدرته كشخصية مؤثرة على الساحة الدولية إلى حد كبير، من خلال قدرته على تقديم حجج متماسكة لصالح باكستان"، مضيفًا أن العلاقات الوثيقة التي بناها منير مع القوتين الإقليميتَين إيران والسعودية، قد أثارت إعجاب ترامب.
ورافق عاصم منير رئيس الوزراء، شهباز شريف، خلال زيارة إلى واشنطن في حزيران/ يونيو، وتناول الغداء مع ترامب.
وأدى ذلك الاجتماع إلى تطور العلاقة بين الزعيم العسكري الباكستاني وترامب، الذي قال لوسائل الإعلام "إنهم يعرفون إيران جيدًا، أفضل من معظم الناس"، عندما سُئل عما إذا كان قد طلب من منير المشورة بشأن إيران وإسرائيل، اللتين كانتا آنذاك تخوضان حربًا وتتبادلان الضربات.
ويقول الكاتب الباكستاني الأميركي، حسن عباس، وهو مؤلف كتب عن السياسة والأمن في المنطقة، "تعززت مكانة عاصم منير الدبلوماسية بالحرب مع الهند في المقام الأول، ثم بجهوده في واشنطن".
ويضيف "كانت صوره ولقاؤه على الغداء مع الرئيس ترامب هما العامل الذي غيّر صورته الدولية".
وفيما غادر الوفدان الأميركي والإيراني باكستان، كان منير مرة أخرى على مدرج المطار لتوديع الزوار.
ورغم عدم توصلهما إلى اتفاق، شكر كلاهما مضيفيه بحرارة، وخاصة المشير منير.