مصر تُعيد اكتشاف ثروتها المائية الخفية عبر إعادة تدوير مياه الصرف

مصر تُعيد اكتشاف ثروتها المائية الخفية عبر إعادة تدوير مياه الصرف

2026 Aug,12

القاهرة/سما- تواجه مصر واقعًا مائيًا حرجًا يفرض إعادة صياغة كاملة لفهم الثروة المائية، بعدما أصبح الطلب السنوي على المياه يبلغ 88.55 مليار متر مكعب مقابل موارد تقليدية لا تتجاوز 65.35 مليار متر مكعب، ما يضع البلاد عند خط الفقر المائي الحرج عالميًا.

أمام هذه الفجوة الحادة، حولت الدولة الموارد المائية غير التقليدية من مجرد خيار تكميلي إلى ركيزة أساسية للأمن القومي، فاستثمرت في إعادة استخدام حوالي 23.2 مليار متر مكعب سنويًا من مياه الصرف عبر شبكة مصارف زراعية تمتد لأكثر من 22 ألف كيلومتر، لتشكل بذلك "نيلًا افتراضيًا" موازيًا يعظم من قيمة كل قطرة متاحة.

تجسدت هذه الإستراتيجية عمليًا عبر ثلاث محطات معالجة كبرى: محطة بحر البقر بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا (تنقل مياهها لاستصلاح أراضي سيناء)، ومحطة المحسمة في الإسماعيلية بطاقة مليون متر مكعب يوميًا، إضافة إلى محطة الدلتا الجديدة (الحمام) بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًا (تخدم مشروعات التنمية الزراعية غرب الدلتا ومحور الضبعة).

هذه المنظومة المدمجة، بطاقة معالجة مجمعة تصل إلى 4.8 مليار متر مكعب سنويًا، حققت تحولًا جذريًا بتحويل مياه الصرف من عبء بيئي ثقيل إلى مدخل إنتاجي عالي القيمة يُدمج في خطط التنمية الزراعية والحضرية.

لم يقف هذا الفكر المبتكر عند حدود المعالجة التقليدية، بل امتد ليشمل "الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0" التي توظف التكنولوجيا والبيانات في إدارة الشح المائي. تدمج هذه الرؤية تقنيات التحلية الحديثة المرتبطة بالطاقة المتجددة لمعالجة مياه الصرف الزراعي متوسطة الملوحة، خاصة في النهايات الشمالية للمصارف، بالتعاون مع القطاع الخاص لتحويلها إلى مصدر مستدام.

تتوجه الدولة نحو تحويل التكنولوجيا إلى حارس رقمي لاقتصاد القطرة المائية، مع التوسع في استخدام حلول قائمة على الطبيعة كالأراضي الرطبة الاصطناعية والمعالجة البيولوجية لتحسين جودة المياه باستهلاك طاقة أقل.

لتطبيق هذه الأنظمة الذكية بكفاءة، شهدت الفترة الأخيرة حملة تطهير واسعة لنزع الحشائش من مصارف زراعية بطول يقارب 45 ألف كيلومتر، وتجريف نحو 10 ملايين متر مكعب من الرواسب، إلى جانب إحلال وتجديد شبكات الصرف المغطى في زمام 87 ألف فدان.

تمثل هذه الصيانة الشاملة التمهيد الميداني اللازم لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية لحساب الاحتياجات المائية الحقلية بدقة عالية وإدارتها بصرامة.

تعكس الإستراتيجية المصرية درسًا استراتيجيًا محوريًا: البلاد لا تستطيع صنع نيل جديد من العدم، لكنها تمتلك القدرة على جعل كل قطرة متاحة أكثر قيمة، واستثمار المياه التي لم تُستخدم سابقًا كمورد اقتصادي متجدد. تشكل هذه المنظومة المتكاملة خطوة حاسمة للتكيف مع التغيرات المناخية وتقليل مخاطر الجفاف، لتحويل الشح المائي من عائق تنموي إلى محرك أساسي للابتكار والسيادة الغذائية القومية.

أحدث الأخبار