خانيونس /PNN / فداء محمد عبد الجواد -
بعد ساعات الشمس الملتهبة واقتراب وقت المغيب، تسللت مجموعة من النسوة خلسة إلى خيمة سرية مغطاة بشادر أبيض وباب من قماش مهترئ، وذلك لامتلاك مساحة خاصة تجمع فتات ما تبقي من عواطفهن المخبئة تحت جلابيبهن الساترة لكل مآسي الحياة، حيث تعتبر هذه الخيمة الملاذ الآمن لحمايتهن من الجفاف العاطفي الذي كسى ملامح وتعابير الوجه؛ ليبحن باعترافات جريئة ومحظورة مجتمعيًا، وقد نُسج حولهن هالة من الصمود والثبات، وهن على عكس ذلك تمامًا، فهن أقل ما يوصف بأنهن قويات العزيمة.
وفي منتصف الخيمة جلست الإخصائية ليلى يحيط بها النسوةالخمس في نصف دائرة تشبه حضنًا دافئًا للحكايات، علها تستطيع فكفكة ولو جزء يسير مما أثقل كاهل ضيفاتها داخل خبايا الخيمة، التي اتسعت لضجيج حياتهن وارتعاش أصواتهن، والمشاعر التي أخذت تبحث عمن يصغي لها.
فما كان مني إلا أن طرقت باب حياتهن، بدعوة من ليلى، وبدأت أصغي جيدًا للصمت الذي سبق الكلام، فما أن وقع على مسمع يتنهده كبت خرجت بمرارة وقهر سنين، مرت به النسوة؛ حتى أخذني الفضول لأستمع لهن.
هذه ليست مجرد جلسة لعرض محاضرات وكلمات الإنشاء، وإنما هي مساحة آمنة وذات مرونة هادئة؛ لرصد المشاعر.
الإخصائية ليلى تنظر إلى النساء المحيطات بها، وكأنها تدرك حجم ما حملته كل واحدة منهن: "ما هو خارج الخيمة لا يهم كثيرًا، المهم ما تشعرن به في هذه اللحظات"، تقول.
بدأ الحديث بفضفضات ومزحات خفيفة لكسر حاجز الصمت، ومع مرور الوقت تلاشت الرهبة، وتحولت الحكايات لنسيج مشترك، فإحداهن تحدثت عن جسدها الغريب ومرآتها المكسورة.
استدارت حنان، وقد بدا كتفاها مثقلان بحمل لا تراه العين، مرت بيديها على وجنتيها برفق، وكأنها تتحسس ما تبقي من ملامحها، قبل أن تتحدث وصوتها يخرج مضطربًا، مخففًا بابتسامة باهتة لا تصل للعينين.
متخفية خلف عمر الأربعين، والوجه الشاحب، والجسد الممتلئ،والمختلف تمامًا عما كانت عليه قبل حرب الإبادة، لتصف ما تبقي من نتوءات جسدها الممزق داخليًا، فتقول لي: "كسرتُها قبل أن تكسر ما تبقي من صورة جميلة في ذهني، فأنا أخاف رؤية وجهي في المرآة، كلما اتجهت عيناي تجاه المرآة أجد ما يخنقني ويؤرقني، وجه مليء بالبقع السوداء والحبوب الحمراء، وجسد ممتلئ بالدهون،لم أعد أحتمل رؤية الإرهاق تحت عيناي، وتجاعيد وجهي التي خطتها الأيام على ملامحي، فكل شيء تغير من إمكانيات معدومة ومزاج متقلب، أحزاننا تراكمت وتفاصيل حياتنا اليومية أرهقتنا، فلم يعد شيء يشبه ما كان عليه"، هذا ما تقول.
تنهدت قليلًا وفركت يديها بقوة، وكأنها تريد تخفيف وطأة الضغط النفسي الذي يثقلها، متحدثة: "والله إني مهتزة من جواتي، وجوزي بطل يطلع في وجهي، وطول اليوم برة الخيمة، وحاسة بانهيارواهتزاز ثقتي بنفسي".
لم تكن مرآة حنان المكسورة -وحدها- هي ما تعكس الخذلان؛ ففي الزاوية المقابلة، كانت سمية تخوض حربًا من نوع آخر مع انعدام الخصوصية، فتلك الفتاة العشرينية العمر، جميلة الملامح، خفت صوتها حتى كاد يتلاشى، كأنه يخشى اختراق القماش المهترئ للخيمة، وشدت جلبابها حول جسدها بقوة، كأنها تحاول خلق جدار إضافي يحمي خصوصيتها.
التفتت نحو الإخصائية ليلى بعينين واسعتين تحملان همًا وقلقًاعميقًا، "فقدت شغفي بالحياة بعد زواجي الذي لم يرَ النور، فشعوري المقلق بأن الخيمة وجدارها القماشي المتهالك دمر خصوصية العلاقة الحميمية مع زوجي، فهناك من يسترق السمع،وينتهك حرمة المكان، حيث سلبنا التشتت المساحة الآمنة الوحيدة، وخنق زواجي في مهده، وما تبقي لي سوى قلب مكسور، وحياة انطفأ فيها الشغف من قبل أن تبدأ"، هذا ما روته.
أخذت سمية تلقي كلماتها التي وقعت على مسامعي كالصاعقة، مكملة حديثها: "عزيزتي الخصوصية معدومة ومفيش أي فاصل بيني وبين جيراني، والمكان محاط بالنازحين، والأطفال يلهون حولنا ليل نهار، ولا أستطيع أن أمارس علاقتي الزوجية وتفاصيل حياتي بحرية بسبب ذلك، وحتى لو اضطررنا للقيام بذلك مقنعين أنفسنا بشيء من الخصوصية، فإن الأمر يكون مجرد ممارسة آلية لا روح فيها. وبصوت مكتوم، وبمشاعر ميتة من الخجل والخوف من أن يصدر عنا ولو همسة بسيطة".
أشاحت بنظرها على جانب ثم قالت: "لو كنت أعلم أن الحرب ستدمرني داخليًا وتفسد صفو الحياة بيني وبين زوجي لما تزوجت في هذا الوقت، وبقيت بين أهلي".
شاركتنا أخرى بهذا الجانب قائلة: "انتهكت حقوقنا الحميمية وأصبحت علاقاتنا بأزواجنا ما هي إلا "ماكينة" لبقاء النسل فقط، وهناك من السيدات يرفضن العلاقة بسبب الخوف من لحظات القصف المفاجئ، والصدمات المتواصلة، كما أنه سرق منا الشغف لممارسة أبسط اللحظات الجميلة الممتعة التي تخفف من توتر الجسم وإرهاقه".
ومع اتساع دائرة الحكايات، كان لكل سيدة تفاصيلها وهمومها التي أثقلت كاهل الجميع، لذلك كانت هذه الجلسة هي المتنفس الوحيد والملاذ الآمن، فظلت نجاة صاحبة عمر الخمسون، غارقة بصمتها كمن يسبح ضد التيار، كانت تحتضن وسادتها بقوة، وخدها يلامس برودة قماشها، بينما غابت نظراتها في زاوية مظلمة، تارة ترغرغ عيونها بالدموع المحبوسة، وتارة تستكين، كأنها تحبس دمعة متمردة أخرى قبل أن تتكلم.
باحت بما في صدرها، وأشارت إلى الأمومة المنهكة والغيرة الصامتة التي تعانيها هي ومعظم جاراتها، قائلة: "أنا نفسيتي تعبانة كثير، مليت من الهدوء، وما بدي حدا يفهمني غلط بس مليت من إخفاء غيرتي من أطفالي، لأنه كل الاهتمام متجه عليهم، أنا ما في حدا بهتملي، ولا حدا بفكر يربت على راسي ويحضنني، ويقلي كلمة شكرًا، أو يخفف عني شعوري المعدوم بالراحة.
صمتت.. وساد معها صمت لدقائق قليلة، لتعود متحدثة: "أصبحت أشعر باليتم"، وبهذا الأمر ختمت هدوءها المكبوت وقهرها من الحياة.
وعلى العكس من ضجيج المشاعر العارمة في الخيمة، كان في المقابل هدوء فاتن ثقيلًا ومختلفًا، يشبه صمت ما قبل الانفجار، ويلفّ المكان كضباب خانق، فلم تشح بنظرها عن الأرض، لكن أصابعها كانت تفرك أطراف الفرشة بلا توقف، حركات صغيرة سريعة؛ لكنها تكشف عن بركان يغلي في العمق، لم ترفع رأسها حتى وهي تبدأ الحديث بصوت منخفض، كأنه يخرج من مكامن روحها.
فاتن، والتي يشير وجهها لآخر الثلاثينيات، كانت صامتة كصمت القبور، وكان يبدو على وجهها طيف نيران تأكل ما تبقي من أحاسيس، حيث بدا ذلك واضحًا من نظرات عيونها، -وهي لا تظهر سوى السكون-، مستمعة لحوار الجميع.
اقتحمت أسوارها بمقولة قرأتها في أحد كتب علم النفس: "الصمت سرطان قاتل، يفتك بالروح قبل أن ينهش الجسد"، ومن هنا بدأت آثار الألم تنعكس على ملامحها، وهي تشير إلىّ خلال حديثها، وكأن الكلمات وحدها لم تعد تكفي لوصف ما عاشته.
"أصبحتُ صديقة النوم وفقدان شغف الحياة، والكسل يصيبني باستمرار"، تحدثت عن وجودها هنا بين السيدات في جلسة الفضفضة،
وأضافت: "أرغب بالانتحار أو الموت المريح، وأبقي دائمًا متكاسلة ولا أريد الاستيقاظ، فزوجي مريض أنهكه الألم، وأنا يجب علي أن أمارس طقوس الحياة والحرب بنفسي مع أبنائي، ويجب أن آخذ دور البطلة المفروض، فما كان مني إلا التوجه للنوم باستمرار،والتكاسل والابتعاد عن ضجيج الحياة، حتى بت أنهار تدريجيًا بسبب أطفالي وأعمال البيت، والحرب القائمة، ونزوحنا المستمر والمنهك"، وأنهت حديثها متمنية أن تنتهي المأساة، فهي ليست امرأة صابرة، وإنما منهكة فقط.
كل هذا بعضًا من بوح لخبايا نساء خمسة، وهن مجرد صورة لآلاف النساء الأخريات في غزة، اللواتي لم تسنح لهن الفرصة لمثل هذه الجلسات؛ لإفراغ ما تراكم داخلهن من أوجاع، أنهكتهن حربٌ لم تترك فيهن موضعًا إلا ووشمت فيه ندبة.
لم ينته اللقاء، فما قيل على لسان هؤلاء السيدات شيء، وما قالته كلمات قلوب هؤلاء السيدات شيء آخر، وما سأسرده عن هذه السيدة كان أمرًا مختلفًا.
لم تقف خبايا الخيمة عند حدود الجراح الذاتية؛ بل امتدت لتتشابك مع ضجيج المخيم الخارجي، حيث كشفت أم يامن عن جبهة أخرى من المعاناة، وهي الخلافات الدائرة في وسط مخيمات النزوح، التي لا تترك مجالًا لأحد بأن يبقى مع نفسه، ولا يؤثر على الكل، لذلك ما قالته هذه السيدة يحاصر مجتمعًا بأكمله وليس عائلة فقط.
خلافات ما بين الجيران، وما بين القيل والقال، تعاني أم يامن من هذا الأمر، وكلفها الكثير من المشاكل الأسرية، بسبب انتهاك حقوق الآخرين، والشجارات المستمرة بين أطفال المخيم، وبين النساء المتلاصقة خيامهن ببعض، هذا ما أدركته من حديثها.
أم يامن هي سيدة قوية لا أحد يعترض طريقها، ولكن كان زوجها هو من يقف في وجهها دائمًا متغافلًا عن المشاكل التي تفتعلهاجاراتها مستغلات صمتها وقهرها المتواصل، ولا تستطيع عمل أي شيء.
تقول أم يامن: "جارتي تتلصص علي، وأي كلمة بحكيها لزوجي بتسمعها وبتروح تنقلها لجارتي اللي فوجهي، وبعدين بتيجي تقلي فلانة قالت، وفلانة عادت، وتبدأ مرحلة افتعال المشاكل، إلى أن أتي ذلك اليوم الذي ضرب فيها الأولاد بعضهم، وتهجموا علينا بالكلام وتشويه السمعة، ومع ذلك لم يفعل زوجي شيء، وهذا بحد ذاته قهر داخلي، فلم ينصفني أحد، سواء كان قريبًا أو غريبًا".
وهذا الحال عند أغلب العائلات التي حولتها قسوة الحرب إلى مكسورة الجناح، والتي ليس لها ظهر أو سند يحميها، ويحافظ على طبيعة الاستقرار الأسري داخليًا وخارجيًا، فتظلم المرأة بسبب عدم أخذ الحق أو الإصلاح، وتبقى النفوس مشحونة بين الجيران، "وكل واحد شايل من الثاني".
بعد ساعة ونصف من جلسة سرية لامست المشاعر، وخاطبت ما عجزت الكلمات عن قوله، خرجت السيدات الخمس من الخيمة بقدر قليل من الخفّة، فالأزمات لا تنتهي في جلسة ولا يبدّدها سحر الكلمات، لكن شيئًا ما كان قد تغيّر، فكانت الوجوه التي دخلت مثقلة بالانقباض والخوف، تغادر بملامح أكثر هدوءًا، وكأن الصدور التي ضاقت طويلًا وجدت أخيرًا مساحة لتتنفس.
في هذه الدائرة الصغيرة، أخرجت كل سيدة شيئًا مما خبأته في داخلها، واكتشفت أن مشاعرها، مهما بدت صعبة أو مربكة، ليست عيبًا ولا ضعفًا، بل استجابة إنسانية لما عايشته، وتحولت الدردشة الحميمة إلى مساحة لالتقاط الأنفاس وسط حرب لا تتوقف، هؤلاء النسوة لسن وحدهن؛ فهناك أخريات يحملن الخوف والوجع والهم نفسه، ويبحثن عن المساحة ذاتها للبوح.
أغلقت الإخصائية "ليلى" دفتر ملاحظاتها بابتسامة هادئة، ليس كل شيء ينتهي ولا ندّعي أن الألم شُفي، فالشفاء ليس محطة نصل إليها دفعة واحدة، بل رحلة طويلة تبدأ أحيانًا بخطوة تبدو بسيطة،
وتختتم الاخصائية لبلى حديثها قائلة:"أن تجلس امرأة بين نساء يشبهنها، وتجد للمرة الأولى مكانًا آمنًا تقول فيه ما عجزت عن قوله حتى لذاتها هو امر لا بد من الانتباه له جيدا حتى نساعد النساء في غزة".







