من الفلسفة إلى الفيزياء.. كيف غيّرت القطط مسار التفكير البشري

من الفلسفة إلى الفيزياء.. كيف غيّرت القطط مسار التفكير البشري

2026 Aug,12

على الرغم من أن القطط لم تقم بالأعمال التقليدية التي يُتوقع من الحيوانات الأليفة أن تقوم بها، إلا أنها استطاعت أن تحتل مكانة خاصة في الفكر البشري لم يشهدها حيوان آخر. لم تكتفِ بأن تعيش إلى جوار الإنسان، بل دخلت عالمه الفلسفي والعلمي والأدبي، وأثارت أسئلة ظلت تشغل أعظم المفكرين لقرون.

في أواخر القرن السادس عشر، اللحظة التي كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل دو مونتين يلعب فيها مع قطته، خطرت له فكرة ستعمّر أطول من كثير من الكتب التي ألّفها معاصروه. تساءل: "عندما ألعب مع قطتي، كيف أعرف أنها ليست هي من تلعب بي؟" يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه كان يهز افتراضاً راسخاً في الفكر الإنساني يقول إن الإنسان هو دائماً الطرف الذي يراقب ويفهم ويمنح المعنى، بينما تبقى الكائنات الأخرى مجرد موضوع لنظره. فماذا لو كانت القطة تنظر إليه بالطريقة ذاتها التي ينظر بها إليها؟ فتح هذا السؤال الباب أمام إشكالية فلسفية كبرى: هل يستطيع الإنسان حقاً أن يعرف كيف يرى كائن آخر العالم؟

بعد نحو أربعة قرون من تساؤل مونتين، عاد السؤال ليواجه جاك دريدا، رائد الفلسفة التفكيكية، لكن هذه المرة بطريقة مباشرة. خرج دريدا من الحمّام عارياً فوجد قطته تنظر إليه. كانت لحظة عادية جداً، لكنها أثارت فيه شعوراً لم يتوقعه: الخجل. في تلك اللحظة، توقف عن أن يكون الإنسان الذي يراقب الحيوان ويفسره، وأصبح بدوره موضوعاً لنظرة كائن آخر. كتب لاحقاً عبارته الشهيرة: "الحيوان ينظر إلينا، ونحن عراة أمامه". لم تعد القطة في نظره كائناً صامتاً يعيش على هامش العالم الإنساني، بل ذاتاً لها منظورها الخاص وقدرتها على النظر إليه بدورها.

لم يقتصر تأثير القطط على الفلسفة وحدها. ففي طفولة نيكولا تسلا، أحد أعظم العلماء في التاريخ، كان يداعب قطه "ماتشاك" في أحد أمسيات الشتاء حين رأى شرارات الكهرباء الساكنة تضيء فرو القط وتقفز منه مع كل لمسة. ظل الطفل تسلا يراقب تلك الومضات الصغيرة في العتمة، ثم سأل سؤالاً بسيطاً: ما الكهرباء؟ لم تكن القطة تعرف الإجابة، لكنها أشعلت الفضول والسؤال الذي لم يتركه حتى أصبح أحد أبرز رواد اكتشاف الكهرباء الحديثة، وأسهم في تطوير أنظمة التيار المتردد ونقل الطاقة الكهربائية. لم تكن أعظم هدية قدمتها "ماتشاك" لتسلا الشرارات نفسها، بل الفضول الذي ولّدته والأسئلة التي استيقظت في عقله.

لكن أشهر قط في تاريخ الفيزياء لم يكن موجوداً على الإطلاق. في عام 1935، تخيّل الفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر قطاً داخل صندوق مغلق، إلى جانب ذرة مشعة وآلية قد تطلق سماً إذا اضمحلت الذرة. وفقاً لأحد تفسيرات ميكانيكا الكم، كانت الذرة قبل قياسها توجد في حالتي الاضمحلال وعدم الاضمحلال معاً. فإذا انطبقت هذه الفكرة على القط، فسيكون، نظرياً، حياً وميتاً في الوقت نفسه، إلى أن يُفتح الصندوق. لم يكن شرودنغر يقترح تجربة عملية، بل أراد كشف غرابة تطبيق قوانين العالم الذري على الأشياء اليومية. غير أن هذا القط المتخيَّل خرج من الصندوق ليصبح أشهر رموز ميكانيكا الكم، وأحد أكثر الأمثلة حضوراً في تاريخ الفيزياء. انتقلت الأسئلة من "هل القط حي أم ميت؟" إلى أسئلة أعمق: متى يصبح الواقع واقعاً؟ وهل يكون العالم في حالة محددة قبل أن نرصده، أم أن عملية الرصد نفسها جزء مما يحدد النتيجة؟

إن كانت القطط دفعت الفلاسفة إلى إعادة التفكير في الإنسان، والعلماء إلى إعادة التفكير في الواقع، فإن الأدب منحها ما لم يمنحه لها أي مجال آخر: صوتاً. في رواية "كافكا على الشاطئ" للروائي الياباني هاروكي موراكامي، يمتلك الرجل المسن "ناكاتا" قدرة غريبة على التحدث مع القطط. يعيش حياة بسيطة، ويكسب بعض المال من البحث عن الحيوانات المفقودة بمساعدة محادثاته معها. لكن تلك الأحاديث لا تقوده إلى قطة ضائعة فحسب، بل إلى رحلة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، واليومي بالميتافيزيقي. من خلال القطط، يكتشف عالماً خفياً، ويواجه شخصية غامضة يقتلها، ثم يجد نفسه في أحداث يتعطل فيها منطق الواقع إلى درجة أن السماء تمطر أسماكاً. لا تبدو القطط هنا مجرد عنصر غرائبي، بل كائنات تعرف طريقاً لا يعرفه البشر؛ تقف على الحد الفاصل بين الواقع والحلم، وبين ما يمكن تفسيره وما ينبغي الاكتفاء بتأمله.

تجاوز حضور القطط في الأدب دور الشخصية اللطيفة أو الغامضة. أصبحت رمزاً للحدس، وللمعرفة التي تسبق اللغة، وللعالم الذي نشعر بوجوده من دون أن نستطيع الإمساك به. ولهذا قالت الروائية الفرنسية كوليت: "لا وجود لقطط عادية".

قد لا يكون سر القطط أنها أذكى من غيرها، ولا أنها تمتلك معرفة خفية. بل إن سرها يكمن في أنها، على نحو نادر، تدفع الإنسان إلى التوقف والنظر مرة أخرى. لم تغيّر العالم بقوتها أو بما قدمته من عمل مباشر، بل غيّرته بالأفكار التي أيقظتها في عقول البشر. في العصور القديمة، كانت القطط تُعبد بوصفها آلهة، ويبدو أنها لم تنسَ ذلك أبداً.

أحدث الأخبار