القاهرة/سما- تشهد سوق السمسرة في البورصة المصرية موجة تحول تاريخية منذ بضع سنوات، حيث تصدرت التطبيقات الرقمية المشهد الاستثماري وأعادت تشكيل طبيعة المنافسة بين شركات الوساطة، مستفيدة من انتشار الهواتف الذكية وتغير سلوك الأجيال الجديدة من المستثمرين.
لعقود طويلة، اقتصرت المنافسة على الشركات التقليدية التي تعتمد على الفروع والخدمات المباشرة، لكن التطور التكنولوجي أدى إلى انتقال جذري نحو المنصات الرقمية التي أصبحت اللاعب الرئيسي في جذب العملاء وتنفيذ العمليات. تصدرت منصة «ثاندر» هذا التحول بنجاح كبير في استقطاب المستثمرين الأفراد، وتبعتها منصات أخرى مثل «تيلدا» و«ويلزي» و«إي إف جي هيرميس وان» و«مينت» في تعزيز مواقعها عبر تطوير التطبيقات وإضافة خدمات مالية جديدة.
انضم نحو 380 ألف مستثمر جديد إلى البورصة المصرية منذ بداية عام 2026، وهو ما خلق سوقاً ضخمة تتنافس عليها التطبيقات والشركات التقليدية. لا تقتصر المنافسة على جذب العملاء الجدد، بل امتدت إلى بناء منظومات مالية متكاملة حول العميل تشمل الادخار والاستثمار والمدفوعات والخدمات المصرفية الرقمية.
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن التطبيقات الرقمية نجحت في جذب أعداد كبيرة من المستثمرين الجدد، خاصة أصحاب المحافظ الصغيرة، مستفيدة من سهولة الاستخدام وسرعة فتح الحسابات وانخفاض أو انعدام العمولات، موضحاً أن هذه المنصات أصبحت «البوابة الأولى» لدخول الآلاف إلى سوق الأوراق المالية. لكنه أشار إلى أن شركات السمسرة التقليدية تحتفظ بمميزات للعملاء أصحاب المحافظ الكبيرة الذين يبحثون عن استشارات متخصصة والتعامل المباشر.
أكد المصري أن التطبيقات الرقمية نجحت في توسيع قاعدة المستثمرين داخل السوق ككل، مما يصب في مصلحة الصناعة بالكامل. أضاف أن انتقال المستثمرين بين المنصات الرقمية وشركات السمسرة لن يكون جماعياً، بل سيبقى جزء كبير من العملاء مخلصاً للتطبيقات بينما قد ينتقل آخرون للشركات التقليدية مع نمو محافظهم الاستثمارية واحتياجهم لخدمات أكثر تعقيداً.
اعتمدت المنصات الرقمية على انخفاض الأسعار والعمولات كأداة أساسية للمنافسة في السنوات الأولى، حتى أن بعضها قدم خدمات تداول بدون عمولات مباشرة. لكن هذا النموذج لا يمكن الاستمرار فيه وحده على المدى الطويل، ما دفع هذه التطبيقات إلى التوسع في تقديم منتجات مالية إضافية مثل الصناديق الاستثمارية والبطاقات مسبقة الدفع والخدمات الادخارية لتنويع مصادر الإيرادات وبناء علاقة أعمق مع العملاء.
قال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن المنافسة حالياً تعتمد على مجموعة عوامل متنوعة في مقدمتها سهولة الاستخدام وقدرة التطبيق على تبسيط المعلومات الاستثمارية للمستثمرين الجدد. أكد أن تجربة المستخدم أصبحت عنصراً أساسياً، مؤكداً أن الشركات التي لا تستثمر في التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها قد تجد نفسها خارج المنافسة قريباً.
توقع مسعود موجة من الاندماجات والاستحواذات بين شركات السمسرة والمنصات الرقمية خلال السنوات القادمة، خاصة مع حاجة العديد من الشركات لتعزيز قدراتها التكنولوجية. أشار إلى أن نموذج التعامل التقليدي من خلال زيارة المقر وتوقيع الأوامر داخل الفروع يتجه تدريجياً نحو الاختفاء لصالح نموذج أكثر مرونة يعتمد بالكامل على القنوات الرقمية.
قال هشام إبراهيم، العضو المنتدب لشركة تيلدا القابضة، إن المنافسة خلال المرحلة المقبلة لن تعتمد على التكنولوجيا أو العمولات فقط، بل ستتركز على جودة تجربة العميل في جميع مراحل التعامل. أشار إلى أن توفر السرعة والتكنولوجيا لمعظم اللاعبين جعل العنصر الفارق هو قدرة المنصة على فهم العميل وتحسين الخدمة بصورة مستمرة.
توقع إبراهيم أن تتراجع أهمية المنافسة على العمولات مع تقارب مستوياتها بين الشركات، مقابل زيادة التركيز على جودة الخدمة. كما توقع موجة اندماجات واستحواذات بين شركات الأوراق المالية، خاصة تلك التي تمتلك تراخيص دون نشاط تشغيلي مؤثر.
قدّر إبراهيم أن نسبة العملاء القادمين من القنوات التقليدية إلى التطبيقات الرقمية حالياً تتراوح بين 60 و70% من المستخدمين مقابل نحو 30% من العملاء الجدد، معتبراً هذه مؤشراً على تحول حقيقي في قاعدة المستخدمين. أكد أن زيادة وعي المستثمرين بطبيعة الاستثمار والفرق بين الاستثمار طويل الأجل والمضاربة يصب في مصلحة السوق والصناعة بشكل عام.
اقرأ أيضًا:
