الصهيوني الوظيفي.. حين يبدأ الاحتلال من الوعي بقلم خليل ابو كامل

الصهيوني الوظيفي.. حين يبدأ الاحتلال من الوعي بقلم خليل ابو كامل

في زمن الاستعمار القديم، كان العدو واضحًا؛ جندي يرتدي بزته العسكرية، يرفع علمه فوق أرضٍ مسلوبة. أما في زمن الاستعمار الحديث، فقد يتخفى العدو خلف وجوه تشبهنا، وتتحدث لغتنا، وتجلس بيننا في مواقع السياسة والإعلام والثقافة.

إنه ما يُسمى بـ"الصهيوني الوظيفي".

هذا الصنف لا يحتاج إلى حدود جغرافية كي يمارس دوره؛ فمجاله هو العقول، وأداته الكلمة، وساحة معركته الوعي الجمعي. وهو يشبه الطابور الخامس، لكنه أكثر دهاءً؛ لأنه لا يأتيك بوصفه غازيًا، بل قد يظهر في صورة الناصح، ويبيع الوهم تحت عناوين مثل السلام والواقعية والمستقبل.

وقد يكون هذا الخطاب صادرًا من أي مكان، لا من إسرائيل وحدها. فوظيفته، كما يراها منتقدوه، أن يقنع الناس بأن مقاومة الاحتلال عبث، وأن الاحتلال أمر واقع لا يمكن تغييره، وأن الحرية مجرد شعار بعيد عن الواقع. وهو خطاب يزرع اليأس بدل الأمل، ويدفع إلى الاستسلام قبل انتهاء المعركة.

والأخطر في هذا الدور أنه لا يقدم نفسه بوصفه عدوًا مباشرًا، بل يتقمص أحيانًا لغة النصح والعقلانية، ويغلف مواقفه بخطاب ناعم. لكن النتيجة، وفق هذا الطرح، هي تكريس الاحتلال في الوعي قبل تكريسه على الأرض.

لذلك، فإن مواجهة الصهيونية، في هذا التصور، ليست معركة على الأرض وحدها، بل معركة على المعنى والوعي أيضًا؛ ليست مواجهة مع الجندي المدجج بالسلاح فحسب، بل مع كل خطاب يبرر الاحتلال أو يطبع القهر أو يقدم الاستسلام باعتباره الخيار الوحيد الممكن.

وإذا كان التحرر يبدأ من استعادة الأرض، فإنه يبدأ كذلك من استعادة القدرة على التفكير الحر، ورفض تحويل الاحتلال إلى حقيقة طبيعية أو دائمة.

إن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الجغرافيا؛ لأن الاحتلال يستطيع أن يفرض واقعًا بالقوة، لكنه لا يستطيع أن ينتصر نهائيًا ما لم يتحول هذا الواقع إلى قناعة راسخة في عقول الناس.
فالمعركة الحقيقية تبدأ من هنا:
إما وعيٌ يحرر… أو وعيٌ يُستَعمَر.

أحدث الأخبار