رام الله/ PNN -وصال ابو عليا- لا يبدو قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية من المنظومة العسكرية إلى شرطة الاحتلال مجرد إعادة توزيع للمهام بين مؤسستين أمنيتين، بل يفتح الباب أمام تحول أعمق في طبيعة إدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والضفة الغربية. وبينما قد يُقدَّم القرار باعتباره تغييرا إداريا في الجهة التي تتولى الاعتقال والتحقيق وحفظ النظام، يرى خبراء فلسطينيون أن خطورته تكمن في السياق السياسي والقانوني الذي يأتي فيه، وفي احتمال انتقال السيطرة الإسرائيلية على الضفة من صورتها العسكرية إلى صورة أكثر مدنية ومؤسساتية.
ويرتبط القرار وفق قراءات سياسية وقانونية، بمسار إسرائيلي متواصل لإعادة تعريف العلاقة مع الأراضي المحتلة، وتوسيع حضور المؤسسات المدنية الإسرائيلية فيها، بما قد يرسخ واقعا من الضم الفعلي، ويعمّق نظاما قانونيا مزدوجا بين الفلسطينيين والمستوطنين.
من إدارة عسكرية إلى سيطرة مدنية
مدير مركز ثبات للبحوث والدراسات جهاد حرب يرى أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى شرطة الاحتلال يعني عمليا الاقتراب من تطبيق القانون الإسرائيلي على الفلسطينيين والمستوطنين في الضفة الغربية، معتبرا أن ذلك يمثل شكلا من أشكال الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية.
ويشير حرب إلى أن التحول لا يتعلق فقط بالجهة التي تنفذ القانون، وإنما بطبيعة المرجعية التي تحكمه؛ إذ تنتقل الصلاحيات في حال ترسيخها، من منظومة مرتبطة بوزارة جيش الاحتلال وقائد المنطقة الوسطى، إلى منظومة ترتبط بحكومة الاحتلال والكنيست، بما يحدث تحولا جوهريا في طبيعة إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية.
ويضع حرب هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من إجراءات الاحتلال التي تستهدف تغيير قواعد التعامل مع الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك تعديلات أُدخلت على منظومة العلاقة التي نشأت عن اتفاق أوسلو، والسيطرة على الأرض والمواقع التاريخية والأثرية الفلسطينية.
هل نحن أمام إعادة توزيع للاختصاصات أم تغيير في طبيعة الاحتلال؟
المستشارة القانونية في دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير د. ولاء أبو عصب، تدعو إلى قراءة القرار من زاوية قانونية أكثر دقة، مشيرة إلى أن الضفة الغربية بما فيها القدس، ما زالت وفق القانون الدولي أرضا محتلة، وأن إسرائيل تبقى القوة القائمة بالاحتلال.
وتوضح أبو عصب أن شرطة الاحتلال تعمل أصلا في أجزاء من الضفة الغربية، ولكن ضمن منظومة ترتبط بسلطة القائد العسكري. ولذلك، فإن مجرد نقل بعض الاختصاصات من الجيش إلى الشرطة لا يعني تلقائيا انتهاء الإدارة العسكرية أو تحول الضفة بصورة فورية إلى جزء من النظام القانوني الإسرائيلي.
وتضيف أن هناك احتمالا لأن يكون الأمر في بدايته إعادة توزيع للاختصاصات بين مؤسسات دولة الاحتلال، بحيث يتولى الجيش العمليات والأمن العسكري، بينما تضطلع الشرطة بالاعتقال والتحقيق فيما يتعلق بالمدنيين.
غير أن أبو عصب تحذر في الوقت ذاته من السيناريو الآخر، والمتمثل في إخضاع أجزاء متزايدة من الضفة الغربية لمؤسسات مدنية إسرائيلية، بما قد يؤدي تدريجيا إلى تكريس واقع قانوني وسياسي جديد.
منظومة قانونية مزدوجة.. والخطر على شعبنا
تكمن إحدى أكثر التداعيات حساسية، بحسب أبو عصب، في احتمال توسيع تطبيق القانون الإسرائيلي المدني على أجزاء من الضفة الغربية، بما يطال ملفات الاعتقال، وحماية الممتلكات، وهدم المنازل، والأراضي والاستيطان.
وتشير إلى أن الواقع القانوني القائم منذ عام 1967 يتسم أصلا بتداخل منظومتين: نظام عسكري يطبَّق على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتطبيق مباشر أو واسع لقواعد القانون الإسرائيلي على المستوطنين في مجالات مختلفة.
ومن هنا، فإن نقل أدوات إنفاذ القانون إلى الشرطة لا يعني بالضرورة توحيد المعاملة القانونية بين الفلسطينيين والمستوطنين. بل وفق أبو عصب، فإن الخطر يكمن في أن يؤدي ذلك، إذا لم يترافق مع توحيد القواعد والحقوق والضمانات، إلى ترسيخ التمييز المؤسسي والقانوني القائم أصلا.
وبذلك قد تتحول السيطرة الإسرائيلية من نمط عسكري مباشر إلى نمط أكثر مدنية ومؤسساتية، من دون أن يعني ذلك إنهاء الاحتلال، بل ربما إعادة إنتاجه بأدوات مختلفة.
القدس الشرقية.. حالة قانونية مختلفة
ويؤكد أبو عصب ضرورة عدم إسقاط نموذج الضفة الغربية على القدس الشرقية بصورة حرفية، موضحة أن إسرائيل فرضت على القدس الشرقية منظومتها الإدارية والقانونية الداخلية بعد ضمها، في حين أن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا الضم ويعتبر القدس الشرقية جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبالتالي، فإن شرطة الاحتلال في القدس تعمل أصلا ضمن منظومة مدنية إسرائيلية، بخلاف طبيعة عمل الجيش في الضفة الغربية. وهو ما يجعل قرار نقل الاختصاصات في الضفة أكثر ارتباطا بالسؤال حول مستقبل طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وليس فقط بتغيير الجهة الأمنية المنفذة للقانون.
قرار خارج الصلاحيات.. لكنه يعكس اتجاها سياسيا
من جهته، يرى المحلل المختص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور أن خطورة القرار لا تتوقف عند مدى قابليته للتنفيذ، بل في الدلالة السياسية الكامنة وراء طرحه.
ويقول منصور إن القرار وفق هذا التصور، لا يملك وزير الجيش وحده صلاحية إحداثه إذا كان المقصود تغيير المكانة القانونية للأراضي المحتلة، لأن أي تغيير جوهري من هذا النوع يحتاج إلى مسار تشريعي وسياسي داخل مؤسسات دولة الاحتلال.
ويرى أن مجرد التفكير بهذه الطريقة يعكس في حد ذاته، مستوى من الاستخفاف بالقضية الفلسطينية وبالمكانة القانونية للأراضي المحتلة، لكنه في الوقت نفسه لا يأتي من فراغ، بل ينسجم مع المسار الذي اتبعته حكومة الاحتلال خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في ظل رفع شعار "أرض إسرائيل الكبرى" وحسم الصراع كعنوان سياسي وأيديولوجي.
ويحذر منصور من اختزال المسألة في خلاف على الصلاحيات بين الجيش والشرطة، لأن جوهر المشكلة بحسب قراءته، يتعلق بالاستيطان واعتداءات المستوطنين وسياسة حكومة الاحتلال تجاه شعبنا.
شرطة بن غفير.. عندما تنتقل القوة إلى عنوان أكثر تطرفا
ويكتسب القرار حساسية إضافية، وفق منصور، بسبب طبيعة الدور الذي منحه وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير للشرطة، معتبرا أن نقل صلاحيات إضافية إليها قد يحمل مخاطر في ظل ما يصفه بتحويل الشرطة إلى أداة شديدة الولاء للسياسة اليمينية المتطرفة والمعادية لأبناء شعبنا.
ويرى منصور أن انتقال الصلاحيات إلى الشرطة، في هذا السياق، قد يعني التعامل مع الضفة الغربية بصورة أقرب إلى اعتبارها خاضعة لولاية دولة الاحتلال، بدل التعامل معها باعتبارها أراضي محتلة تديرها إسرائيل عسكريا.
وهنا، تصبح المسألة أكثر من مجرد تغيير في الجهة المنفذة للقانون؛ إذ يمكن أن تتحول الشرطة إلى إحدى أدوات إعادة هندسة الواقع السياسي والقانوني على الأرض.
الانتخابات.. عامل آخر في تشدد الموقف الإسرائيلي
ولا يفصل منصور بين القرار وبين الحسابات الداخلية الإسرائيلية، خصوصا في ظل الاستعدادات الانتخابية والمنافسة داخل الساحة السياسية الإسرائيلية.
فبحسب قراءته، يصبح من الصعب على السياسيين الإسرائيليين، في هذه المرحلة، اتخاذ خطوات حقيقية للجم المستوطنين أو مواجهة اعتداءاتهم، لأن الأحزاب والقادة يتنافسون على استرضاء هذه القاعدة الانتخابية واستقطاب أصواتها.
لكن العامل الانتخابي في رأيه، لا يفسر وحده هذه السياسة؛ فهناك جذور أيديولوجية واضحة مرتبطة ببرنامج حكومة الاحتلال وشعار حسم الصراع، إضافة إلى علاقة متشابكة بين الحكومة والمستوطنين والقوى السياسية اليمينية.
ويرى منصور أن المشهد بات أقرب إلى وجود جناح سياسي وجناح ميداني لمشروع واحد، في إشارة إلى التقاطع بين سياسات حكومة نتنياهو وممارسات مجموعات المستوطنين.
من المستوطنات إلى قلب البلدات الفلسطينية
ويحذر جهاد حرب من أن تداعيات هذه التحولات قد تظهر بصورة أوضح على الأرض، خصوصا في ظل اتساع اعتداءات المستوطنين.
فالمسألة وفق حرب، لم تعد محصورة في المناطق المصنفة "ج"، حيث تتركز معظم المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وإنما باتت الاعتداءات تمتد إلى البلدات والقرى الفلسطينية الواقعة في المناطق المصنفة "ب"، بل وإلى محيط المدن الفلسطينية.
وبالتالي، فإن انتقال صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة الإسرائيلية قد يحدث في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى جهة محايدة وفعالة لحماية شعبنا من اعتداءات المستوطنين، بينما تخشى القراءات الفلسطينية أن يؤدي نقل الصلاحيات إلى مؤسسة أمنية خاضعة لاعتبارات سياسية داخلية إلى تعميق اختلال ميزان الحماية والمساءلة.
كيف يمكن فلسطينيا مواجهة التحول؟
يطرح حرب عدة مستويات لمواجهة القرار. الأول هو المستوى الدولي، من خلال اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بما فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، لإثارة التداعيات القانونية والسياسية المترتبة على القرار.
أما المستوى الثاني فيتعلق بالميدان، حيث يشير حرب إلى إمكانية التفكير في أشكال من العصيان المدني الفلسطيني في مواجهة أوامر شرطة الاحتلال، مع إدراكه أن مثل هذه الخطوات قد تحمل تبعات مباشرة على المواطنين.
ومن هنا، فإن أي تغيير في طبيعة العلاقة مع شرطة الاحتلال قد يفتح نقاشا أوسع حول مستقبل هذه الترتيبات وآليات التعامل الفلسطيني معها.
مرحلة جديدة من الصراع على طبيعة السيطرة
في المحصلة، يبدو أن أهمية القرار لا تكمن فقط في السؤال: من يعتقل الفلسطيني؟ الجيش أم الشرطة؟ بل في السؤال الأعمق: أي منظومة قانونية وسياسية ستدير الضفة الغربية مستقبلا؟
فإذا بقي الأمر في حدود إعادة توزيع الاختصاصات الأمنية، فقد يكون تحولا إداريا داخل منظومة الاحتلال. أما إذا ترافق مع توسيع اختصاص المؤسسات المدنية الإسرائيلية، وتطبيق القانون الإسرائيلي بصورة متزايدة، وتكريس السيطرة على الأرض والمستوطنات، فإن الأمر قد يصبح جزءا من مسار أوسع نحو الضم الفعلي والمدني للضفة الغربية.
وبين القراءة القانونية التي تحذر من ترسيخ منظومة مزدوجة، والقراءة السياسية التي ترى القرار حلقة في مشروع حسم الصراع، والقراءة الإسرائيلية التي تربطه بالصراع الانتخابي والأيديولوجي، تتشكل صورة لمرحلة جديدة من الاحتلال: مرحلة قد لا يتراجع فيها حضور القوة العسكرية، وإنما يعاد توزيعها داخل مؤسسات مدنية وأمنية إسرائيلية، بحيث تصبح السيطرة أقل ظهورا بوصفها إدارة عسكرية، وأكثر حضورا بوصفها نظاما مدنيا إسرائيليا يمد نفوذه إلى الأرض الفلسطينية المحتلة.
وهنا تكمن خطورة التحول؛ فالقضية لم تعد فقط فيمن يمسك بالسلاح أو ينفذ الاعتقال، وإنما في من يملك تعريف القانون، ومن يحدد حدود تطبيقه، ولصالح من تُعاد صياغة قواعد السيطرة على الأرض.







