يعيش الأرجنتيني ليونيل ميسي لحظة حاسمة في حياته الكروية. الرجل البالغ من العمر 39 سنة بدأ يُعيد تقييم مستقبله بعد رحيل والده خورخي ميسي، في حدث ألقى بظلاله على معنويات النجم العالمي.
في رسالة تفيض بالأسف، قال ميسي: "لا أعرف كيف أواصل الطريق. كنت أكتفي بلعب كرة القدم، والآن لست متأكداً من أنني سأستمر في ممارستها لفترة أطول". تُعكس هذه الكلمات وزن الفقد الذي يحمله في قلبه.
ويربط عقد مع نادي إنتر ميامي الأمريكي ميسي حتى عام 2028. وعلى مدار حياته الرياضية، سجل الأرجنتيني 921 هدفاً مع برشلونة الإسباني وباريس سان جيرمان الفرنسي وإنتر ميامي ومنتخب بلاده. هذا الرقم وحده يروي قصة مسيرة لا مثيل لها في تاريخ الكرة البيضاء.
بدأت حكاية ميسي في الأضواء بثلاثية تاريخية. في 10 آذار/مارس 2007، وعمره 19 سنة فقط، سجل ميسي الأهداف الثلاثة لفريقه برشلونة في الكلاسيكو أمام ريال مدريد، في تعادل 3-3. كان الأداء على ملعب كامب نو بمثابة لحظة التحول التي حوّلت اسم ميسي من موهبة محلية إلى ظاهرة عالمية.
وبعد أسابيع قليلة، سجل ميسي هدفاً يُعتبر من أروع إنجازاته الفردية. ففي 18 نيسان/أبريل 2007، في مباراة أمام خيتافي بنتيجة 5-2، انطلق ميسي بالكرة من نصف ملعبه وتجاوز خمسة مدافعين قبل أن يراوغ الحارس ويُسجل. استحضر الهدف ذاكرة قوية: كان مشابهاً للهدف الأسطوري الذي سجله دييغو مارادونا أمام إنجلترا في مونديال 1986.
وفي مجال دوري الأبطال الأوروبية، بدأ ميسي بإزاحة الشكوك عن قدرته على التألق ضد الفرق الإنجليزية. في نهائي عام 2009 أمام مانشستر يونايتد، ارتقى ميسي عالياً وحوّل تمريرة تشافي هيرنانديز إلى هدف برأسه. كانت تلك المباراة بداية سيطرة ميسي على دوري الأبطال الأوروبية: حقق 4 ألقاب في البطولة، وأصبح ثاني أفضل هداف في التاريخ برصيد 129 هدفاً، متأخراً فقط عن كريستيانو رونالدو صاحب 140 هدفاً.
في ربع نهائي 2010 أمام أرسنال، سجل ميسي أربعة أهداف في مباراة واحدة للمرة الأولى في حياته، وبعده بسنتين، سجل خمسة أهداف في فوز 7-1 على باير ليفركوزن. كانت هذه الأرقام تشير إلى أن ميسي قد أدخل عالماً جديداً تماماً من الأداء الفردي.
وفي 20 آذار/مارس 2012، حطم ميسي رقماً قياسياً جديداً. وقتها كان عمره 24 سنة فقط، لكنه تجاوز رصيد سيزار رودريغيز التاريخي لأفضل هداف برشلونة بـ 232 هدفاً. سجل ميسي ثلاثية في فوز 5-3 على غرناطة، ليرفع الرقم بعد ذلك إلى 672 هدفاً عند رحيله عن النادي في 2021.
وفي إنجاز أخذ مكانه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، سجل ميسي 91 هدفاً خلال سنة 2012 وحدها. منها 79 مع برشلونة و12 مع الأرجنتين في 69 مباراة فقط. كان هذا الهدر المذهل في الأهداف أحد العوامل التي منحته جائزة الكرة الذهبية للمرة الرابعة على التوالي.
وفي 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، حقق ميسي معلماً إسبانياً جديداً. في فوز 5-1 على إشبيلية، سجل ثلاثية وأصبح أفضل هداف في تاريخ الدوري الإسباني، متجاوزاً رقم تيلمو زارا البالغ 251 هدفاً. وبنهاية مسيرته في إسبانيا، رفع ميسي الرقم إلى 474 هدفاً، متقدماً بفارق ضخم على رونالدو الذي سجل 311 هدفاً.
وفي لحظة رمزية حقيقية، سجل ميسي هدفه الـ 500 مع برشلونة في 23 نيسان/أبريل 2017. كان ذلك في كلاسيكو أمام ريال مدريد، بتسديدة مباشرة من حافة منطقة الجزاء في الوقت بدل الضائع. احتفل ميسي بخلع قميصه ورفعه أمام جماهير ملعب برنابيو، في مشهد اعتُبر لاحقاً من أشهر اللحظات في تاريخ الكلاسيكو.
لكن في آب/أغسطس 2021 جاءت نهاية حقبة. رحل ميسي عن برشلونة بعد 21 سنة في النادي لم يُحقق فيها 35 لقباً فقط، بل أصبح رمزاً للنادي نفسه. اضطر ميسي للرحيل لأن برشلونة عجز عن تجديد عقده بسبب قيود الرواتب التي فرضتها رابطة الدوري الإسباني. وفي مؤتمر صحفي مؤثر، لم يتمالك ميسي نفسه وانهار باكياً، قائلاً إنه لم يكن يريد مغادرة النادي الذي يحبه. انتقل بعدها إلى باريس سان جيرمان.
وكان لقب كأس العالم هو الحلم الذي ظل بعيداً عن ميسي لسنوات، وفي المقارنات حول أفضل لاعب في التاريخ، ظل غيابه حاضراً. لكن في مونديال قطر 2022، كتب ميسي الفصل الأهم من قصته. سجل هدفين في النهائي أمام فرنسا، وسجل أيضاً في ركلات الترجيح، قبل أن تحسم الأرجنتين المباراة بعد التعادل 3-3. وتُوج ميسي بجائزة أفضل لاعب في البطولة، بعدما سجل سبعة أهداف في البطولة برمتها.
وجاءت جائزته الثامنة من الكرة الذهبية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وذلك بعد فوزه بالمونديال ومساهمته في تتويج إنتر ميامي بكأس الدوريات، أول ألقاب النادي الأمريكي. عندها قال ميسي إنه لم يتخيل أن يُتاح له مسيرة بهذا الحجم.
وفي مونديال 2026، سجل ميسي ثمانية أهداف، ليرفع إجمالي أهدافه في كأس العالم إلى 21 هدفاً، متجاوزاً جميع الهدافين السابقين. غير أن كيليان مبابي تجاوز هذا الرقم لاحقاً برفعه إلى 22 هدفاً. وفي سن الـ 39، انتهت مشاركة ميسي في المونديال بخسارة الأرجنتين النهائي أمام إسبانيا، لكن أدواره الفردية أضافت فصلاً جديداً إلى قصة استثنائية قد تقترب من نهايتها.
اقرأ أيضًا:
