مدار نيوز \ عرب 48 \
تواجه أكثر من 70 عائلة في حي المحطة بمدينة اللد خطر الإخلاء وهدم المنازل، بعد تلقيها أوامر من السلطات الإسرائيلية بمهل قصيرة لا تتجاوز أسبوعًا في بعض الحالات، بذريعة “الاستيلاء على أراضي الدولة”.
ويؤكد الأهالي أن عائلاتهم تقيم في الحي منذ ما قبل قيام إسرائيل، ويرفضون مغادرة منازلهم التي تختزن قرابة قرن من الذاكرة، محذرين من أن الأوامر تمهّد لاقتلاع السكان والاستحواذ على أراضي الحي لصالح ما يسمى “النواة التوراتية”.
وُلد محمد السعدي في حي المحطة بمدينة اللد عام 1936، ونشأ وترعرع فيه بين أفراد عائلته. واليوم، وقد بلغ نحو 90 عامًا، لا يزال متمسكًا بالعيش في المنزل ذاته الذي شهد طفولته ورحيل أفراد أسرته، والده ووالدته وأشقائه الثلاثة. إلا أنه فوجئ قبل أيام بإخطار صادر عن “سلطة أراضي إسرائيل” يطالبه بإخلاء منزله خلال أسبوع، بذريعة “استيلاء العائلة على أراضي الدولة”، رغم أن الأسرة تقيم في الحي منذ ما قبل قيام إسرائيل.
ولم تقتصر أوامر الإخلاء والهدم على عائلة السعدي، إذ تبين، وفق الأهالي، أن أكثر من 70 عائلة في حي المحطة تلقت أوامر مماثلة، تفاوتت بين إخلاء منازل وهدمها، وهدم جدران ومنشآت خفيفة، بذريعة “الاستيلاء على أراضي الدولة”.
وأمام هذه القرارات، يعلن الأهالي رفضهم لأوامر الهدم والإخلاء، ويطالبون بإيجاد حلول جذرية وعادلة، مؤكدين أنهم يقطنون الحي منذ عقود، في ظل ظروف معيشية صعبة وبنية تحتية متردية.
ويرى السكان أن هذه الإجراءات تأتي في إطار سياسات تضييق مستمرة تهدف، بحسب قولهم، إلى اقتلاعهم من منازلهم تمهيدًا للاستحواذ على أراضيهم لصالح ما يسمى “النواة التوراتية”.
“لم أشهد في حياتي مهلة إخلاء كهذه”
يقول المُسن محمد السعدي، الذي ولد في حي المحطة عام 1936، لـ”عرب 48″، إن السلطات الإسرائيلية وجهت إلى السكان إخطارات مفاجئة تطالبهم بإخلاء منازلهم خلال أسبوع واحد.

ويضيف: “لم أشهد طوال حياتي مهلة إخلاء قصيرة وقاسية كهذه التي نواجهها اليوم في حي المحطة بمدينة اللد”.
“وُلدت هنا قبل قيام الدولة”
يجلس السعدي على عتبة منزله في حي المحطة، مستذكرًا فترة الانتداب البريطاني، ويقول: “نعيش في هذا الحي منذ فترة الانتداب البريطاني، أي منذ القرن الماضي، ولم نشهد إخلاء كهذا وبهذه المهلة الزمنية القصيرة. عشت هنا وولدتني والدتي في هذا المنزل، وكنا نعيش أنا وأشقائي الثلاثة فيه قبل قيام الدولة”.

ويتابع: “والدي ووالدتي توفيا في هذا المنزل، وكذلك أشقائي. ولا تزال زوجة شقيقي المتوفى تقيم فيه، وهي تعاني ظروفًا صحية صعبة ولا تستطيع مغادرة فراشها”.
“سنبقى في حي المحطة”
ويعرب السعدي عن استغرابه من أوامر الإخلاء الفورية، قائلًا: “السلطات تفرض أوامر فورية وتعسفية وتمنحنا مهلة أسبوع واحد. يريدون محو ذكريات تمتد لنحو 100 عام خلال أيام. هذه المهلة لا تكفي حتى لاستصدار الأوراق والوثائق الرسمية، فكيف يمكن إيجاد مكان بديل خلال أسبوع؟ بعد هذا العمر، وقبل وجود هذه الدولة، كنا هنا، ولن نقبل الخروج من منازلنا”.

ويشدد على أهمية وحدة الأهالي، قائلًا: “نعيش هنا في حي المحطة كعائلة واحدة، ومطلبنا الأساسي والوحيد هو الثبات والبقاء على أراضينا وفي منازلنا التي ولدنا وعشنا فيها. من المهم أن نتمسك بأراضي الأهل والأجداد وبالذكريات التي عشناها هنا”.
“منزل جدتي قائم منذ ثلاثينيات القرن الماضي”
لم تتوقع حورية السعدي، ابنة حي المحطة والناشطة في الفعاليات المختلفة في مدينة اللد وخارجها، صدور أوامر الإخلاء الفورية بحق الأهالي في الحي الذي ولدت وترعرعت فيه.
وتقول لـ”عرب 48″: “أهالي حي المحطة يواجهون أوامر إخلاء تعسفية لبيوتهم وأراضيهم. منزل جدتي قائم منذ ما قبل عام 1948، والإخطار الذي تلقته عائلتي يطالبنا بترك المنزل خلال أسبوع واحد، بذريعة أن الأهالي في الحي استولوا على الأرض، وهذا غير صحيح”.
وتضيف: “حين قمنا بالفحص والمتابعة، اكتشفنا أن هذه الإخطارات لم تستهدف عائلتي وحدها، بل شملت نحو 70 منزلًا في حي المحطة. كما اختلفت صياغة الأوراق من عائلة إلى أخرى، وهو ما نعتقد أنه يهدف إلى تشتيت الأهالي وتفريقهم ومنعهم من التكاتف”.

وتتابع السعدي: “الهدف الحقيقي من هذه الأوامر بات واضحًا للجميع، وهو إخلاء الحي من سكانه الأصليين، وقد يكون ذلك لصالح المستوطنين أو ما يسمى بالنواة التوراتية. القضية بالنسبة للأهالي ليست مجرد أموال أو تعويضات، بل هي قضية ذكريات وتاريخ وتمسك بالأرض والبيوت التي توارثناها أبًا عن جد”.
عشرات أوامر الهدم والإخلاء
وبشأن تحرك العائلات التي تلقت الأوامر، توضح السعدي أن الأهالي تحركوا فورًا، من خلال توكيل محامين لمحاولة وقف أوامر الإخلاء، إلى جانب التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني وأعضاء كنيست عرب ومؤسسات حقوقية، بهدف تنظيم تحرك قانوني وجماهيري موحد.

وتوجهت السعدي إلى أهالي حي المحطة بالقول: “يجب الحفاظ على وحدة الأهالي وتكاتفهم، لأن الأوامر تستهدف الجميع. صحيح أن منزل جدتي احترق قبل عدة سنوات واحترقت الوثائق الموجودة فيه، لكن الشواهد الحية والتاريخ والذاكرة الجماعية تثبت حقنا التاريخي في أراضينا، ولن يستطيع أحد إخراجنا منها”.
مخاوف من مخطط استيطاني ورعب يلاحق الأطفال
وقال أحد سكان الحي، الذي رفض الكشف عن اسمه خشية ملاحقته، لـ”عرب 48″، إن ما يشهده حي المحطة يمثل، برأيه، “تطهيرًا عرقيًا” من قبل السلطات الإسرائيلية.
وأضاف أن الحي يعاني، وفق قوله، “سياسة إهمال ممنهجة منذ قيام الدولة، رغم أنه يقع في منطقة المركز وفي واحدة من أكبر المدن”.

ويرى أن الأهالي يواجهون اليوم خطر الاقتلاع بعد توزيع أوامر الإخلاء، محذرًا من أن تكون وراءها مساعٍ لإقامة وحدات استيطانية لصالح ما يسمى “النواة التوراتية”.
وقال: “أنا أب لأربعة أطفال صغار، وبعد تلقي هذه الأوامر أصبحت فكرة التهجير والاقتلاع ترعبهم، خصوصًا مع ما يشاهدونه يوميًا عبر التلفاز والهاتف من هدم للمنازل في المجتمع العربي. أطفالي يسألون طوال الوقت عن هذه الأوامر وعن المكان الذي سنلجأ إليه في حال نُفذ الهدم بحق منازلنا”.
وعن تمسك الأهالي بالحي، أكد أن “رغم الظروف الصعبة التي نعيشها وانعدام الخدمات، فإننا متشبثون بأرضنا في حي المحطة مهما حصل. هذا الحي يعني لنا الكثير؛ فيه ولدنا وترعرعنا، وفيه كل ذكرياتنا، ولن نقبل التخلي عنه تحت أي ظرف”.

وختم حديثه بالقول: “هذه الأوامر غير منطقية إطلاقًا، فالمهلة التي مُنحت لنا هي أسبوع واحد، كما أن المهل تختلف بين الجيران، وهذا يثير البلبلة والتخبط بين الأهالي. لذلك نحن يد واحدة في الحي، ونرفض هذه القرارات غير العادلة التي نعتقد أنها تهدف إلى اقتلاعنا من أرضنا”.







