من تحت الركام: أزواج في غزة يقاتلون معًا لإعادة الحياة

من تحت الركام: أزواج في غزة يقاتلون معًا لإعادة الحياة

غزة / PNN /  نسمة الحرازين - بين صوت ماكينات الخياطة ولهيب المواقد البدائية، يواصل سكان قطاع غزة نسج حكاياتهم في البقاء، محاولين إعادة تشكيل حياتهم تحت وطأة الحرب والخسارة.

لم تعد الخسائر تقتصر على الممتلكات، بل تحولت إلى معركة يومية للحفاظ على الكرامة. وفي قلب هذه المعركة، برزت الشراكة بين الأزواج كخط دفاع أخير، حيث يتقاسم الطرفان القرار والعمل والأمل في إعادة البناء من جديد.

في شرفة منزل مستأجر بحي الصبرة في مدينة غزة، يقف رفيق الحرازين، المعروف بـ"أبو أحمد"، إلى جانب زوجته، وكلاهما نازحان من حي الشجاعية. تحت أنقاض مصنعهما المدمر ترقد 50 ماكينة خياطة، كانت تشكل مصدر رزق لأكثر من 30 عاملًا.

يقول أبو أحمد: "أُجبرت على إغلاق المصنع وترك كل شيء خلفي".

عقب عودتهما إلى غزة خلال هدنة مؤقتة في يناير/كانون الثاني 2025، وجد الزوجان مصنعهما مدمرًا بالكامل. ولم تتوقف الخسارة عند ذلك، إذ لا يزال مصير نجلهما سيف مجهولًا بعد فقدانه خلال نزوحه جنوبًا.

ورغم ذلك، أعاد الزوجان تشغيل عملهما بإمكانيات محدودة، مستخدمين عددًا قليلاً من الماكينات التي نجت من الدمار. إلا أن نقص المواد الخام وارتفاع أسعارها واستمرار الظروف الصعبة، لا تزال تعرقل عملهما.

ويقول أبو أحمد: "مصنعي اليوم لا يشبه ما كان عليه سابقًا"، مضيفًا أن الخياطة بالنسبة له "ليست مجرد عمل، بل شيء يتمسك به".

في مكان آخر من غزة، تسلك إسلام الخالدي، خريجة الصحافة والإعلام، وزوجها المصور محمد الأخرس، مسارًا مختلفًا. فقد أسسا مشروعًا منزليًا صغيرًا للطهي يحمل اسم "فتفوتة"، لتأمين مصدر دخل في ظل تراجع فرص العمل.

بدأ المشروع اعتمادًا على شغف إسلام بالطهي، بينما يتولى محمد تصوير الأطباق والترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، محولًا مهاراته إلى دعم مباشر للمشروع ولكن الحرب قلبت حياتهما رأسًا على عقب. فقد اضطر الزوجان إلى التوقف لفترات طويلة بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة توفر المواد الغذائية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للسكان. كما فقدا عددًا من زبائنهما الذين قضوا خلال الحرب.

تقول إسلام: "هناك خسائر لا تُقاس بالمال".

ومع تحسن نسبي في الأوضاع، قرر الزوجان استئناف عملهما، معتبرين أن المشروع ليس مجرد وسيلة للعيش، بل تعبير عن الصمود.

ويقول محمد: "الأمر لا يتعلق فقط بكسب المال، بل بالحفاظ على الكرامة والاستمرار رغم كل شيء".

تمثل هاتان القصتان نموذجًا أوسع لما يعيشه سكان غزة، حيث تلعب المشاريع الصغيرة والشراكات العائلية دورًا حيويًا في الصمود. فمن ماكينات خياطة انتُشلت من تحت الركام، إلى وجبات تُعد في مطابخ بسيطة، تتجسد إرادة الحياة في أبسط صورها.

بالنسبة لأبو أحمد وزوجته، يبقى الأمل معلقًا بإعادة بناء مصنعهما ومعرفة مصير ابنهما. أما إسلام ومحمد، فيحلمان بتوسيع مشروعهما ليصبح مطعمًا شعبيًا معروفًا.

وفي ظل هذا الواقع، تظل هذه القصص شاهدًا على حقيقة واحدة: رغم الخسارة، لا تزال القدرة على البدء من جديد — معًا — قائمة.

أحدث الأخبار