اكتشف مسبار بيرسيفيرانس التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) معدن الكوروندوم على سطح المريخ للمرة الأولى، في إحدى أهم النتائج العلمية لمهمة المسبار على الكوكب الأحمر. وهذا المعدن نفسه يُستخرج منه الياقوت والزفير في الأرض، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الخصائص المعدنية للمريخ.
قاد الاكتشاف فريق بحثي بقيادة عالمة الجيوكيمياء آن أوليلا من مختبر لوس ألاموس الوطني. وعثر المسبار على حبيبات من الكوروندوم الحامل للكروم في ثلاث قطع صخرية بالقرب من فوهة جيزيرو، وهي المنطقة التي يستكشفها المسبار على المريخ. ويُعتبر الكروم العنصر المسؤول عن إكساب الياقوت لونه الأحمر المميز والقاني.
تكمن أهمية الاكتشاف في أن الكوروندوم لا يتشكل عادة في البيئات التي عُثر عليه فيها. فهذا المعدن يتطلب عادة بيئات غنية بالألومنيوم وفقيرة بالسيليكون ليتشكل، لكن الصخور المريخية التي احتوت على المعدن كانت غنية بمعدن البلاجيوكليز، وهو معدن يستهلك الألومنيوم ويقلل فرص تشكل الكوروندوم. هذا التناقض يثير تساؤلات عميقة حول آليات تشكل هذا المعدن على المريخ.
يرجح الباحثون أن الكوروندوم تشكل نتيجة اصطدام عنيف قديم أدى إلى تكوين فوهة جيزيرو نفسها. فالحرارة الشديدة والضغط الهائل والسوائل الساخنة الناتجة عن مثل هذه الأحداث الكونية قادرة على تغيير تركيب الصخور بشكل جذري، ما قد يفسر وجود معدن نادر في ظروف غير ملائمة عادة.
درس فريق البحث ثلاث قطع صخرية محددة عُثر عليها على حافة فوهة جيزيرو تحمل أسماء "هامبدن ريفر" و"كوفي كوف" و"سميثس هاربور". وتُعتبر هذه الصخور شظايا منفصلة لم تعد في موقع تشكلها الأصلي، وربما تكون قد انتقلت من مكانها الأول بفعل اصطدامات سابقة أو عمليات جيولوجية أخرى على سطح الكوكب.
استخدم المسبار تقنية مطيافية الوميض الزمني (Time-resolved luminescence spectroscopy) لدراسة هذه الصخور في مارس وأبريل ويوليو من عام 2025. تعتمد هذه التقنية على تسليط شعاع ليزر على المعدن، ثم تحليل الضوء المنبعث منه في استجابة لذلا التأثير. وطابقت الإشارات التي حصل عليها المسبار خصائص الكوروندوم الحامل للكروم بدقة عالية.
عندما قارن الباحثون العينات المريخية بعينات من الياقوت والزفير والمعادن الأخرى الموجودة على الأرض، وجدوا تطابقاً واضحاً في الخصائص. سجلت الصخور الثلاث قمماً مميزة للوميض مرتبطة بالكوروندوم المحتوي على شوائب الكروم، وهو ما يؤكد الهوية المعدنية للعينات.
أظهرت إحدى العينات، وهي "سميثس هاربور"، وميضاً استمر لنحو 3 مللي ثانية، وهو ما يتطابق تماماً مع القياسات المسجلة للكوروندوم الأرضي، مما عزز الثقة بنتائج الاكتشاف.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمجرد وجود معدن الياقوت على المريخ، بل بكيفية تشكل هذا المعدن نفسه في بيئة المريخ، التي تتطلب ظروفاً غير عادية وغير متوقعة.
لا يزال أصل الكوروندوم المكتشف بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتأكيد العلمي. يتطلب ذلك تحديد المصدر الأصلي لهذه الشظايا الصخرية أو إحضار عينات منها إلى الأرض للدراسة المخبرية المفصلة، وهو ما قد يستغرق سنوات قادمة.
