كيف يستقبل طفل التوحد العالم من حوله بحواس مختلفة

كيف يستقبل طفل التوحد العالم من حوله بحواس مختلفة

2026 Aug,07

يعتقد كثيرون أن طفل اضطراب طيف التوحد يرى العالم كما يراه الآخرون، لكنه يختار التصرف بشكل مختلف، إلا أن الدراسات الحديثة والتقارير الفعلية من الأشخاص المصابين بالتوحد وذويهم تؤكد أن الواقع أعمق بكثير.

دماغ الطفل التوحدي يستقبل المعلومات الحسية بطريقة مختلفة: الأصوات والألوان والوجوه والكلمات والمواقف الاجتماعية جميعها قد تُفسّر بصورة ملحوظة لا تطابق إدراك معظم الناس. ما يبدو عالماً بسيطاً وسهلاً قد يكون مليئاً بتفاصيل متداخلة وأصوات مرهقة وتغييرات غير متوقعة تسبب له توتراً وارتباكاً.

لسنوات ساد الاعتقاد أن أطفال التوحد يفتقرون للمشاعر أو لا يرغبون في التواصل، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن معظمهم يمتلكون مشاعر عميقة ورغبة حقيقية في تكوين العلاقات، لكنهم قد يواجهون صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية أو التعبير عن أفكارهم بالطريقة التي يتوقعها الآخرون.

فهم كيفية إدراكهم للعالم يساعد الأسرة والمعلمين والمجتمع على بناء جسور تواصل حقيقية معهم، بدلاً من مطالبتهم بالتكيف الدائم مع بيئة قد تكون مرهقة لجهازهم العصبي.

الحساسية الحسية المضاعفة

عندما يدخل طفل التوحد مركزاً تجارياً، قد يشعر أن جميع الأصوات تصرخ في أذنيه في الوقت ذاته: موسيقى الخلفية وضجيج عربات التسوق وأصوات الناس ورنين الهواتف وصفارات الأجهزة الكهربائية. دماغه لا يستطيع عزل الصوت المهم كما يفعل معظم الأشخاص، فيضع يديه على أذنيه أو يبكي أو يحاول مغادرة المكان بسرعة، ليس لأنه مدلل بل لأن جهازه العصبي يشعر بإرهاق شديد.

الإضاءة أيضاً قد تكون مصدراً للإزعاج: الأضواء البيضاء الساطعة أو الفلورية قد تومض باستمرار بحسب إدراكه، حتى إن لم يلاحظ الآخرون، وانعكاسات الشمس على الزجاج قد تزعجه، فيفضل الجلوس في أماكن هادئة ذات إضاءة خافتة تجعله يشعر بالأمان والتركيز.

الحساسية تطال اللمس كذلك؛ قد يرفض ارتداء قطعة ملابس معينة لأن ملمسها خشن جداً، أو يرفض قص شعره لأن الإحساس أقوى بكثير مما يتوقعه الآخرون. في المقابل، قد يبحث آخرون عن الأحضان والضغط العميق أو لف أنفسهم بالبطانيات الثقيلة لأن ذلك يمنحهم الراحة والاستقرار.

قراءة التعابير الاجتماعية

بينما يستطيع معظم الناس معرفة ما إذا كان الشخص سعيداً أو غاضباً برؤية وجهه، قد يحتاج طفل التوحد إلى وقت أطول لفهم هذه الإشارات، وقد يركز على تفاصيل أخرى مثل لون الملابس أو شكل النظارة بدلاً من تعبيرات الوجه، فقد يبدو وكأنه لا يتفاعل مع مشاعر الآخرين، بينما هو في الحقيقة منشغل بمحاولة تفسير كمية كبيرة من المعلومات.

قد يواجه صعوبة أيضاً في فهم العبارات غير المباشرة أو المزاح؛ إذا قال أحدهم مازحاً "لقد أكلت جبلاً من الطعام" فقد يتخيل الطفل جبلاً حقيقياً لأنه يميل إلى فهم الكلمات بمعناها الحرفي. استخدام اللغة الواضحة والمباشرة أكثر فاعلية معه، وشرح المقصود من العبارات المجازية يساعده على اكتساب هذه المهارة تدريجياً.

ملاحظة التفاصيل والاهتمامات المركزة

كثير من أطفال التوحد يلاحظون تفاصيل قد تمر على الآخرين دون انتباه: قد يتذكر أحدهم ترتيب الألعاب في غرفة بعد زيارة واحدة أو يلاحظ تغيير مكان لوحة صغيرة على الحائط. هذه القدرات تعكس أسلوباً مختلفاً في الانتباه قد تتحول مع التدريب إلى نقاط قوة في الفن أو البرمجة أو العلوم أو الموسيقى.

اهتمامات الطفل التوحدي قد تكون مركزة: قد يعشق الفضاء ويحفظ أسماء الكواكب وترتيبها بدقة مدهشة، أو يهتم بالقطارات أو الحيوانات أو الديناصورات. قد يقضي ساعات في قراءة المعلومات عن اهتمامه، وهذه ليست هوايات عابرة بل نافذة يتعلم من خلالها مهارات جديدة ويطور ذاكرته وتركيزه.

الروتين والتغيير

قد يظن البعض أن الطفل يرفض التغيير لأنه عنيد، لكن الروتين بالنسبة إليه وسيلة تمنحه الشعور بالأمان في عالم مليء بالمفاجآت الحسية والاجتماعية. عندما يعرف مسبقاً ماذا سيحدث ومتى سيحدث يصبح أكثر قدرة على الاسترخاء والتركيز. إذا تغيرت الخطة فجأة قد يشعر وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه لأن دماغه يحتاج إلى وقت أطول لمعالجة التغيير.

التواصل الاجتماعي والصداقات

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن طفل التوحد لا يرغب في تكوين صداقات، لكن كثيرين منهم يتمنون اللعب مع الآخرين، إلا أنهم قد لا يعرفون كيف يبدأون الحديث أو يشاركون في لعبة جماعية أو يفهمون قواعد المزاح بين الأطفال. وجود أصدقاء متفهمين ومعلمين داعمين يُحدث فرقاً كبيراً، فهم يمنحونه الفرصة لاكتساب المهارات الاجتماعية بطريقة طبيعية.

التنوع كبير بين أطفال التوحد: قد يكون أحدهم شديد الحساسية للأصوات لكنه لا ينزعج من اللمس، وآخر اجتماعي يحب الحديث عن اهتماماته لساعات، وثالث قليل الكلام يعبر عن نفسه بالرسم أو الموسيقى أو وسائل التواصل البديلة. فهم الطفل يبدأ من التعرف إلى احتياجاته الفردية وليس من الاعتماد على أفكار عامة أو صور نمطية.

أحدث الأخبار