وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في السابع من آب الجاري، «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، في خطوة تعكس التحولات الكبرى المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية لما بعد السابع من أكتوبر 2023، ومحاولات من دول المنطقة لإعادة النظر في ترتيباتها الدفاعية بعيداً عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
وفق ما تم إعلانه، يتضمن الاتفاق إنشاء لجنة سياسية – عسكرية إستراتيجية مشتركة تجتمع دورياً لاتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، وأمانة عامة دائمة مقرها السعودية، فيما تُرِك بناء الهياكل العسكرية وآليات التشغيل المشترك والتنسيق الميداني لمراحل لاحقة. لكن أهم بنوده هو ذلك الذي ينص على أن «أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول الثلاث جميعاً».
وقد اعتبر البعض أن هذا النص يجعل التحالف موجهاً بصورة أساسية ضد إيران، خصوصاً أن الإعلان عنه جاء في ظل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من استهداف طهران مصالح وقواعد أميركية في دول الخليج، بما فيها السعودية، إضافة إلى تهديدات جماعة أنصار الله في اليمن للملاحة والتجارة السعودية عبر باب المندب، والهجمات التي تعرضت لها السعودية ونُسِبَ بعضها إلى جماعات عراقية حليفة لإيران.
لكن التعامل مع اتفاق مكة باعتباره حلفاً ضد إيران بالاستناد إلى توقيته، يتجاهل تعقيدات العلاقات بين أطرافه الثلاثة وطهران. بداية المباحثات بشأن ترتيبات التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث سبقت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بفترة طويلة. كما أن التعاون العسكري السعودي – الباكستاني أقدم من ذلك، وقد تُوّجَ في أيلول 2025 باتفاق دفاع مشترك بين البلدين. ولذلك لا يكفي توقيت الإعلان عن الاتفاق الثلاثي للقول إنه أُنشئ أساساً لمواجهة إيران.
الأهم أن مصالح الدول الثلاث تتقاطع، لكنها لا تتطابق. وهذا تحديداً هو ما يضع قيوداً كبيرة على إمكانية تحوله إلى محور عسكري هدفه الدخول في صراع مع إيران.
العلاقات التركية – الإيرانية تقدم المثال الأول. فهي علاقات تقوم منذ عقود طويلة على مزيج من التنافس والتعاون. اختلف البلدان بشأن ملفات أمنية أساسية مثل سورية وأذربيجان ومع ذلك طورت طهران وأنقرة، على مدى عقود، نمطاً من إدارة التنافس حال دون تحوله إلى صراع مباشر. فالحدود بين الدولتين ظلت مستقرة لنحو أربعة قرون، ولديهما مجلس تعاون رفيع المستوى منذ عام 2014، وعشرات الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، وآليات مستمرة للحوار السياسي والأمني. كما تشكل إيران مورداً مهماً للغاز التركي، إضافة إلى أن التجارة بين البلدين مهمة لكليهما ويسعيان دائماً لتوسيعها. كذلك لا توجد تأشيرات بين البلدين منذ عقود عديدة وهنالك أكثر من مليونَي سائح إيراني يدخل تركيا سنوياً.
لهذا ليس من مصلحة أنقرة تحويل تعاونها الدفاعي مع الرياض إلى مشروع للحرب مع إيران. فمواجهة عسكرية مباشرة مع طهران ستفرض على تركيا كلفة أمنية واقتصادية عالية، وقد تفتح أمامها جبهة طويلة ومعقدة على حدودها الشرقية، من دون أن يكون واضحاً ما الذي يمكنها أن تكسبه مقابل ذلك.
الأمر ذاته ينطبق، وربما بصورة أوضح، على باكستان. فالجغرافيا تجعل استقرار إيران مصلحة أمنية مباشرة لإسلام آباد. تمتد بين البلدين حدود طويلة تمر في مناطق بلوشية مضطربة، ولذلك يحتاج الطرفان إلى التعاون في مواجهة الجماعات المسلحة ومنع تَحول أراضي كل منهما إلى ملاذ لمقاتلين يعملون ضد الدولة الأخرى. إضافة إلى ذلك، تحتاج باكستان إلى إيران في مجالَي التجارة والطاقة. ولقد اتفق البلدان في السنوات الأخيرة على السعي لرفع حجم التجارة الثنائية إلى عشرة مليارات دولار، وتوسيع الأسواق الحدودية والتعاون الأمني. كما يمكن لإيران، في حال تخفيف العقوبات المفروضة عليها، أن تصبح المورد الأهم للغاز والطاقة لباكستان التي تعاني عجزاً مستمراً في هذا المجال، وهنالك اتفاق في هذا المجال بين البلدين منذ العام 2010 لبناء أنبوب لنقل ما يصل إلى مليار متر مكعب من الغاز من إيران إلى باكستان أنجزت إيران الجزء الأكبر منه على أراضيها، لكن العقوبات الاقتصادية الأميركية منعت باكستان من إنجاز الجزء الخاص بها.
يضاف إلى ذلك العامل الصيني. فالصين هي الشريك العسكري والإستراتيجي الأهم لباكستان، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران. وبالتالي لا يوجد في علاقة إسلام آباد ببكين ما يدفعها إلى الاصطفاف ضد طهران. بل إن الحساب الأمني الباكستاني يجعل من غير المنطقي فتح جبهة عداء مع إيران، في الوقت الذي تعتبر فيه الهند التحدي الإستراتيجي الأكبر لها. باكستان تحتاج، في أي مواجهة محتملة مع الهند، إلى حدود غربية مستقرة، لا إلى خصم جديد يمتد نفوذه على طول بلوشستان.
وفوق ذلك، باكستان هي اليوم الوسيط الأهم بين إيران والولايات المتحدة. ولذلك فإن كلفة مشاركتها في حرب ضد إيران ستكون مرتفعة للغاية، سياسياً وأمنياً وإستراتيجياً، وهو ما يفسر حرصها على الفصل بين التزامها بالدفاع عن السعودية وبين الدخول في حرب مباشرة مع طهران.
كذلك، يؤكد تاريخ العلاقات السعودية – الباكستانية، رغم قوتها، أنها هنالك حدوداً لها. في العام 2015، ورغم الدعم المالي والعسكري السعودي الطويل لإسلام آباد، رفض البرلمان الباكستاني إرسال قوات للمشاركة في الحرب إلى جانب السعودية ضد أنصار الله في اليمن، واختارت باكستان الحياد خشية أن يؤدي تدخلها إلى الإضرار بعلاقاتها مع إيران ونقل الاستقطاب السعودي – الإيراني إلى الداخل الباكستاني لأن ما نسبته 15 إلى 20٪ من سكانها شيعة. كذلك توترت العلاقات بين البلدين العام 2020 عندما رفضت السعودية تبني الموقف الباكستاني من قضية كشمير بعد أن ألغت الهند الوضع الخاص للإقليم. حيث شعرت إسلام آباد بأن الرياض تطلب منها مراعاة أولوياتها الأمنية في اليمن وإيران، بينما لم تكن هي مستعدة في المقابل للمجازفة بعلاقتها المتنامية مع الهند من أجل دعم الموقف الباكستاني من كشمير.
صحيح أن العلاقات عادت لاحقاً إلى مسار قوي، وتُوجت باتفاق الدفاع المشترك في 2025، لكن هذه السوابق تكشف حدود العلاقات الباكستانية – السعودية والمدى الذي يمكنها أن تصل إليه في ظل الأولويات الأمنية لباكستان.
أما العلاقات التركية – السعودية، فهي الأخرى ليست تحالفاً إستراتيجياً، وإنما علاقات أُعيد بناؤها خلال السنوات الأخيرة على أساس تقاطع المصالح. حتى الأمس القريب، كان البلدان على طرفَي نقيض في عدد من الملفات. دعمت تركيا جماعة الإخوان المسلمين، ووقفت إلى جانب قطر خلال أزمة الخليج عام 2017، كما شهدت المرحلة نفسها مقاطعة غير رسمية للبضائع التركية في السعودية. لكن التحولات الإقليمية والمصالح الاقتصادية والدفاعية دفعت البلدين لاحقاً إلى المصالحة، ثم إلى توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والصناعات الدفاعية. وهذا يعني أن العلاقة الحالية قوية ومتنامية، لكنها لا تقوم على هوية أمنية مشتركة العداء لإيران أساسها.
حتى العلاقات السعودية – الإيرانية نفسها لم تكن دائماً علاقات مواجهة مفتوحة. صحيح أن البلدين اختلفا على ملفات أساسية تمتد من لبنان والعراق إلى سورية واليمن، ودخلا خلال العقود الماضية في صراع نفوذ إقليمي طويل. لكن الطرفين سعيا أيضاً إلى التهدئة والحوار، ووقعا في آذار 2023 اتفاقاً برعاية الصين لاستئناف العلاقات الدبلوماسية. وقد ساهم الاتفاق في خفض التوتر الإقليمي وفتح الطريق أمام اتصالات ومفاوضات أكثر مباشرة بشأن اليمن، وإن لم يؤد إلى تسوية نهائية للحرب هناك لكنه جعل الاتفاق بين السعودية وجماعة أنصار الله ممكناً.
هذه الشبكة المعقدة من العلاقات تجعل من الصعب اختزال اتفاق مكة الدفاعي تحالفاً ثلاثياً ضد إيران. فالسعودية قد تنظر إليه باعتباره أداة لتعزيز قدرتها على ردع إيران وحلفائها، لكن تركيا وباكستان لكل منهما مصلحة مستقلة في الحفاظ على علاقة مستقرة مع طهران، ولا تملك أي منهما مصلحة في الدخول في حرب معها.