حذّر رئيس مجلس قروي بردلة، زياد صوافطة، من أن استمرار أزمة المياه والقيود الإسرائيلية على الأراضي الزراعية والرعوية يهددان بانهيار القطاع الزراعي ودفع سكان الأغوار الشمالية إلى الرحيل، مطالبًا السلطة الفلسطينية وسلطة المياه بالتدخل العاجل لمعالجة ملف الديون وتنظيم توزيع المياه وحماية المزارعين.
وقال صوافطة، في حديثه لبرنامج صوت البلد مع ايهاب الجريري، إن نحو 63 مليون شيكل من مستحقات المياه متراكمة على 18 فتحة مياه في الأغوار الشمالية، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من هذه المبالغ يعود، بحسب روايته، إلى ترتيبات تاريخية مرتبطة بضخ المياه عبر شبكة شركة “مكروت” الإسرائيلية، وليس إلى استهلاك حديث للمياه من قبل المزارعين.
وأوضح أن قضية المياه تعود إلى اتفاقات أبرمت في سبعينيات القرن الماضي، بعد إغلاق آبار كان المواطنون يعتمدون عليها، وتحويل الضخ إلى شبكة أنابيب مقابل دفع تكلفة المياه وضخها.
وأضاف أن الأهالي واصلوا دفع المستحقات للجانب الإسرائيلي لسنوات، قبل أن يتغير نظام التعامل بعد قيام السلطة الفلسطينية وصدور قرارات تمنع التعامل المباشر مع الجانب الإسرائيلي، الأمر الذي أدى، وفق قوله، إلى تراكم الديون منذ تسعينيات القرن الماضي.
63 مليون شيكل على 18 فتحة مياه
وأشار صوافطة إلى أن المبلغ الإجمالي البالغ نحو 63 مليون شيكل موزع على 18 فتحة مياه، موضحًا أن بعض الفتحات مسجلة بأسماء أفراد، بينما كانت أخرى تُستخدم بصورة جماعية لخدمة سكان قرى بأكملها.
وبيّن أن إحدى فتحات المياه في بردلة تترتب عليها، وفق البيانات التي عرضها، مستحقات تقارب 12 مليون شيكل، فيما تصل مستحقات فتحات أخرى إلى أكثر من 7 ملايين وخمسة ملايين شيكل.
وأكد أن تسجيل بعض الفتحات بأسماء أفراد لا يعني ملكية المياه لأشخاص محددين، موضحًا أن هذه الفتحات كانت تاريخيًا تخدم مئات المزارعين والسكان.
وقال إن نحو 140 مزارعًا يعتمدون على هذه المياه في النشاط الزراعي، وإن أي إجراء مالي أو قانوني بحق أصحاب الفتحات سينعكس مباشرة على مئات الأسر.
“لسنا فوق القانون.. ونريد التفاوض”
وشدد رئيس مجلس بردلة على أن المزارعين لا يرفضون دفع قيمة المياه، لكنه طالب بالفصل بين المستحقات الحالية والديون التاريخية، وفتح حوار مباشر مع سلطة المياه للتوصل إلى تسوية.
وقال: “نحن تحت القانون ولسنا فوق القانون، لكن نريد أن نتفاهم على الديون القديمة وننظم المياه وندفع استحقاقات المياه الجديدة.”
وأكد استعداده للالتزام بدفع قيمة المياه الجديدة إذا جرى توفير شبكة واضحة وتنظيم عملية التوزيع، مشددًا على أن المجلس المحلي مستعد لتحمل مسؤولية تنظيم المياه بين المزارعين.
اتهامات بسرقة جزء من المياه لصالح المستوطنات
وفي أخطر جوانب حديثه، قال صوافطة إن جزءًا من المياه التي تُحتسب ضمن الكميات المخصصة للمنطقة يذهب، بحسب معلومات الأهالي، إلى المستوطنات المحيطة.
وتحدث عن تفاوت كبير في كميات المياه المتاحة للمزارعين الفلسطينيين مقارنة بالكميات التي تحصل عليها المستوطنات، مشيرًا إلى أن بعض المستوطنات، وفق روايته، تحصل على خطوط مياه بأقطار كبيرة وكميات ضخ مرتفعة.
وقال إن أحد الآبار في المنطقة كان ينتج سابقًا نحو 42 كوبًا في الساعة، بينما يجري استخراج آلاف الأكواب من آبار قريبة لصالح المستوطنات، بحسب قوله.
وأضاف أن قرية بردلة تحصل حاليًا على نحو 120 كوبًا من المياه، مقارنة بنحو 240 كوبًا في السابق، رغم تضاعف عدد سكانها مرات عدة.
وقال إن عدد سكان القرية كان في السابق نحو 300 نسمة، بينما يقترب اليوم من 3000 نسمة، معتبرًا أن الكمية المتاحة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان والزراعة.
تحذير من انهيار الزراعة والرحيل
وحذر صوافطة من أن استمرار أزمة المياه والقيود على الوصول إلى الأراضي سيقود إلى تراجع خطير في النشاط الزراعي، الذي يشكل مصدر الدخل الأساسي لمعظم سكان المنطقة.
وقال إن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية الممتدة بين بردلة وطوباس وعقابة وتياسير أصبحت خارج قدرة الفلسطينيين على الوصول إليها نتيجة الإجراءات والقيود الإسرائيلية.
وأشار إلى أن سكان بردلة لم يعد أمامهم، وفق تقديره، سوى نحو 2500 دونم قابلة للاستغلال الزراعي، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى انخفاض أعداد السكان.
وقال صوافطة محذرًا: “إذا استمرت هذه الخطوة، لن تجد في نهاية السنة من الثلاثة آلاف في بردلة إلا ألف.”
وأضاف أن المواطن الذي يفقد الأرض والمياه ومصدر الدخل لن يكون قادرًا على البقاء، معتبرًا أن ما يحدث يهدد الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية وليس القطاع الزراعي وحده.
هدم 43 دونمًا ومنشآت زراعية
وتطرق صوافطة إلى قرار عسكري إسرائيلي قال إنه صدر بعد انتخابه رئيسًا للمجلس بأيام، ويقضي بهدم منشآت زراعية مقامة على مساحة تبلغ نحو 43 دونمًا.
وأوضح أن الاتصالات مع الارتباط الفلسطيني أسهمت في وقف تنفيذ القرار على كامل المساحة، إلا أن ثمانية دونمات هُدمت، بينما اضطر أصحاب المنشآت إلى تفكيك ما تبقى منها.
وأشار إلى أن عائلات ومزارعين تضرروا بشكل مباشر من هذه الإجراءات، مؤكدًا أن بعض الأسر فقدت مصدر دخلها الأساسي.
المستوطنون يضيّقون على المزارعين
وقال رئيس مجلس بردلة إن المستوطنين يمارسون ضغوطًا متزايدة على المزارعين ويمنعونهم من الوصول إلى مساحات من أراضيهم.
وأشار إلى حادثة قال إنها وقعت قبل أيام، عندما أُبلغ عدد من المزارعين بضرورة مغادرة أراضٍ يزرعونها قبل نهاية الشهر، موضحًا أن تدخلات فلسطينية حالت دون تنفيذ القرار بشكل كامل.
وحذر من أن الاستيلاء التدريجي على الأراضي، إلى جانب إقامة الحواجز والجدران وتشديد القيود على الحركة، يهدف عمليًا إلى فصل الأغوار الشمالية عن محيطها.
وقال إن استكمال هذه الإجراءات وإغلاق المداخل الرئيسية للمنطقة، وبينها حاجزا عين شبلي وتياسير، سيجعل الحياة في الأغوار أكثر صعوبة.
“المياه انتقلت بعيدًا عن القرية”
وتحدث صوافطة عن قيام الجانب الإسرائيلي، وفق قوله، بتحويل جزء من خط المياه الذي كان يصل إلى داخل بردلة، وإنشاء بنية تحتية تحت الأرض لتحويل المياه باتجاه مناطق أخرى.
وقال إن المياه باتت تصل إلى نقطة تبعد نحو كيلومتر ونصف عن القرية، الأمر الذي جعل استصلاح الأراضي الزراعية وتشغيلها أكثر صعوبة.
وأكد أن إعادة المياه إلى داخل القرية تحتاج إلى مد خط مياه لمسافة قصيرة نسبيًا، معتبرًا أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه إعادة الحياة إلى آلاف الدونمات الزراعية.
وقال: “أعطوني خط مياه يرجع المياه إلى البلد، ونرجع نزرع ونأكل ونعيش.”
الموسم الزراعي على الأبواب
ومع اقتراب انطلاق الموسم الزراعي في الأغوار الشمالية في الأول من أيلول/سبتمبر، طالب صوافطة الجهات الحكومية بالتدخل قبل فوات الأوان.
وقال إن آلاف السكان يعتمدون على الزراعة، وإن أي تأخير في توفير المياه سيؤدي إلى خسائر كبيرة للمزارعين.
وأشار إلى أن إعادة بناء المنشآت الزراعية التي هُدمت أو تفكيكها تحتاج إلى مبالغ كبيرة، في وقت يعاني فيه المزارعون أصلًا من خسائر نتيجة القيود على الأراضي والمياه.
وأكد أن غالبية سكان بردلة مزارعون، وأن استمرار الأزمة سيؤثر على القرية بأكملها.
انتقادات لضعف الدعم الحكومي
وانتقد صوافطة ما وصفه بغياب الدعم الكافي عن مجالس الأغوار الشمالية، مشيرًا إلى تهالك البنية التحتية وشبكات المياه والطرق.
وقال إن المجالس المحلية تواجه أوضاعًا مالية صعبة، وإن هناك مشكلات تتعلق بالمصادقة على الميزانيات نتيجة الديون المتراكمة.
وأضاف أن المنطقة تحتاج إلى مشاريع بنية تحتية وخدمات أساسية تتناسب مع أهميتها الزراعية والجغرافية، بدلًا من الاقتصار على معالجة الأزمات بعد وقوعها.
“لا نريد أوامر حبس.. نريد حوارًا”
ورفض صوافطة ما قال إنه لجوء إلى التهديد بالإجراءات القانونية بحق المواطنين، داعيًا إلى الحوار بدلًا من التصعيد.
وقال إن سكان بردلة مستعدون للالتزام بدفع استحقاقات المياه الجديدة، وتنظيم عملية التوزيع، وتحمل مسؤولياتهم المالية، شرط توفير شبكة مياه واضحة وعادلة.
وأضاف: “تعالوا اقعدوا معنا. أعطونا الاستحقاقات، وإذا أعطيتمونا خطوط المياه ونظمنا المياه، نمشي معكم.”
وأكد أن المجلس مستعد للعمل مع سلطة المياه على تنظيم عملية توزيع المياه بين المزارعين، بما يضمن وصولها إلى المستحقين وتحصيل قيمتها.
مناشدة للرئيس وسلطة المياه
وفي ختام المقابلة، وجّه رئيس مجلس قروي بردلة مناشدة إلى رئيس دولة فلسطين وسلطة المياه والجهات الحكومية المختصة، مطالبًا بزيارة الأغوار الشمالية والاستماع مباشرة إلى مطالب السكان والمزارعين.
وقال إن المنطقة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى خطوات عملية تشمل توفير المياه، تنظيم الشبكات، معالجة الديون القديمة، حماية الأراضي الزراعية، ودعم صمود السكان.
وشدد على أن استمرار تراجع المياه ومصادرة الأراضي وفرض القيود على الحركة سيجعل بقاء السكان في المنطقة أكثر صعوبة.
وختم صوافطة بالتحذير من أن المعركة في الأغوار الشمالية لم تعد مرتبطة بالمياه وحدها، وإنما باتت، بحسب وصفه، مرتبطة بقدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم والحفاظ على مصدر رزقهم ووجودهم الزراعي.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يستعد فيه مزارعو الأغوار الشمالية لبدء موسم زراعي جديد، ما يجعل ملف المياه، إلى جانب حماية الأراضي والوصول إليها، قضية ملحّة تتطلب معالجة عاجلة، وفق ما يؤكده سكان المنطقة وممثلو مجالسها المحلية.



