يشهد جزء من روسيا وأوروبا ودول عربية في 12 من أغسطس/آب الجاري حدثًا فلكيًا نادرًا وهو كسوف شمسي سيكون كليًا في بعض المناطق وجزئيًا في مناطق أخرى. غير أن تأثيرات هذه الظاهرة الطبيعية تمتد بعيدًا عما يراه الناظرون بالعين، فتشمل الحيوانات والظواهر الطبيعية المختلفة وحتى الكائنات الحية الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة.
الظلام المفاجئ الذي يسببه الكسوف يعطل الساعات الداخلية للحيوانات، مما يدفعها إلى ارتباك وقلق ملحوظين. تشير الدراسات إلى أن الكائنات الحية، على عكس البشر الذين يعتمدون على الساعات، تعتمد على إشارات الطبيعة والضوء لفهم الوقت من اليوم. فالحيوانات التي تعتمد بشكل كبير على هذه الإشارات، وخاصة الطيور، قد تعود إلى أماكن نومها وتجثم كأن الليل قد حل، وتزيد من أصواتها قبل الكسوف وبعده، لكنها تسكت تمامًا في ذروته. وتحدث هذه الظاهرة للحيوانات الأليفة والبرية معًا.
خلال كسوف 2017 في الولايات المتحدة، لوحظ أن اليراعات بدأت في إضاءة بطونها عند ذروة الكسوف، وهي ظاهرة غير طبيعية لهذا الوقت من اليوم. وفي كسوف المكسيك عام 1991، شوهدت العناكب وهي تفكك شباكها كأن الليل قد حل، ثم تعيد بناءها بعد عودة الشمس كأن يومًا جديدًا بدأ. الحيوانات الأليفة التي تعاني من القلق من العواصف تظهر ردود فعل مماثلة أيضًا، لأن الظلام المفاجئ خلال النهار يرتبط في أذهانها عادةً بقدوم العواصف.
أظهرت البحوث المختصة أن كسوف الشمس يترافق مع زيادة حادة في حوادث المرور. ففي كسوف 2017، وجد باحثون من جامعة تورونتو زيادة كبيرة في مخاطر الطرق حول وقت الكسوف الكلي، بمعدل حادث إضافي كل 25 دقيقة ووفاة إضافية كل 95 دقيقة، مما أسفر عن 46 وفاة إضافية مرتبطة بالكسوف. يعزو الباحثون ذلك إلى زيادة حركة المرور والسفر على طرق غير مألوفة والقيادة بسرعة للوصول في الوقت المناسب، وتشتت انتباه السائقين بالحدث السماوي، أو الاحتفالات المصحوبة بالكحول والمخدرات، أو مشاهدة الكسوف من مواقع غير آمنة على جوانب الطرق.
الكسوف يسبب انخفاضًا ملحوظًا في درجات الحرارة على الأرض. فعندما يغطي القمر الشمس بنسبة تصل إلى 96% في بعض المناطق، ينخفض الطقس بمعدل يتراوح بين درجة وثلاث درجات مئوية خلال الكسوف الجزئي، وقد يصل الانخفاض إلى نحو 5 درجات مئوية خلال الكسوف الكلي، مع انخفاض في سرعة الرياح أيضًا. لكن هذا الانخفاض لا يستمر أكثر من ساعة تقريبًا، ويعتمد المقدار الدقيق على وقت اليوم وكمية تغطية الشمس.
يرافق الكسوف ظاهرة معروفة باسم "رياح الكسوف"، وهي تغير في اتجاه الرياح عندما يحجب القمر الشمس مؤقتًا. ففي عام 2015، وضع علماء من جامعة ريدينغ أجهزة استشعار للطقس على جانب الطريق خلال كسوف جزئي، ووجدوا أن الرياح تغير اتجاهها بسبب التغيرات في "الطبقة الحدودية"، وهي منطقة الهواء التي تفصل عادةً الرياح العالية عن تلك القريبة من الأرض. عندما تختفي الشمس خلف القمر، يبرد سطح الأرض فجأة مثلما يحدث عند الغروب، ما يؤدي إلى توقف الهواء الدافئ عن الصعود من الأرض، وينتج عن ذلك انخفاض في سرعة الرياح وتغير في اتجاهها.
الميكروبات والكائنات الحية الدقيقة لا تسلم من تأثيرات الكسوف أيضًا. ففي عام 2011، كشف علماء من معهد العلوم الطبية في كانتيكان عن تأثير غريب للكسوف على هذه الكائنات. درس الفريق البكتيريا والفطريات قبل وبعد الكسوف، وسجلوا تغيرات كبيرة في المستعمرات البكتيرية من حيث المورفولوجيا (الشكل والبنية) ونمط الحساسية. كما تغير شكل الأنواع الفطرية بشكل واضح عند التعرض لتغير الإضاءة أثناء الكسوف، مما يدل على أن هذه الظاهرة الكونية تؤثر في كل مستويات الحياة من الكائنات الكبيرة إلى الميكروبات غير المرئية.
يأتي الكسوف مع تحديات إضافية على مستوى الطاقة. فقد ذكرت وكالة نوفوستي أن إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في أوروبا قد ينخفض بنحو 10 غيغاواط خلال كسوف الشمس الكلي في 12 من أغسطس، بما يعادل إنتاج محطتين أو ثلاث محطات نووية. وتستعد إسبانيا، التي ستشهد الكسوف الكلي، لهذا الحدث الفلكي النادر، لكن التحديات المتوقعة قد تنقلب إلى تهديد على البنى التحتية والخدمات.
اقرأ أيضًا:
