بعد رفض تأشيرة الرئيس عباس: ماذا بقي للفلسطيني من أدوات مشروعة؟ جمال خالد الفاضي

بعد رفض تأشيرة الرئيس عباس: ماذا بقي للفلسطيني من أدوات مشروعة؟ جمال خالد الفاضي

ليست المفارقة أن يصل نتنياهو إلى نيويورك ليخاطب العالم من منبر الأمم المتحدة، وهو الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية، ولا أن تسمح الولايات المتحدة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالحضور، في الوقت الذي تخوض فيه واشنطن وطهران حربًا ومواجهة مفتوحة. وليست المفارقة، في المقابل، أن يُمنع الرئيس عباس من الحصول على تأشيرة تمكّنه من الوصول إلى المنبر ذاته. هذه كلها صور للمفارقة، لكنها ليست جوهرها. جوهر المسألة يكمن في سؤال أكثر عمقًا وإزعاجًا: ماذا بقي للفلسطيني من أدوات مشروعة يستطيع استخدامها للحصول على حقوقه، دون أن تتحول الأداة نفسها إلى سبب لمعاقبته؟ منذ أكثر من ثلاثة عقود، قيل للفلسطيني إن العالم تغير، وإن زمن الحصول على الحقوق بالقوة قد انتهى، وإن الطريق الممكن يمر عبر السياسة والتفاوض والاعتراف المتبادل والتسوية والشرعية الدولية.

ذهب الفلسطيني إلى مدريد، ثم إلى أوسلو. اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، وقبلت بمبدأ التسوية وحل الدولتين، وأقامت سلطة ومؤسسات، ودخلت في مفاوضات امتدت سنوات طويلة برعاية أمريكية ودولية. وعندما تعطلت المفاوضات ولم تقم الدولة، لم تعد القيادة الفلسطينية إلى البندقية، وإنما ذهبت إلى الأمم المتحدة.وعندما لم تستطع قرارات الأمم المتحدة وقف الاحتلال أو الاستيطان، اتجه الفلسطيني إلى الأدوات التي يفترض أن النظام الدولي أنشأها أصلًا لمن لا يستطيع تحصيل حقوقه بالقوة: محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف. وهنا تبدأ المفارقة الأمريكية الحقيقية. فواشنطن لا تعترض فقط على بعض النتائج التي يسعى الفلسطيني إلى تحقيقها، وإنما تعترض أحيانًا على الأداة القانونية والدبلوماسية المستخدمة للوصول إليها. وقد ارتبطت القيود الأمريكية الأخيرة على القيادة الفلسطينية، ضمن مبرراتها المعلنة، بالتحركات الفلسطينية في المؤسسات والمحاكم الدولية.

وهذا يقلب السؤال رأسًا على عقب. فإذا كانت المقاومة المسلحة مرفوضة، والمفاوضات الثنائية لم تنتج دولة، والذهاب إلى الأمم المتحدة يُنظر إليه باعتباره تدويلًا للصراع، واللجوء إلى القضاء الدولي يثير العقوبات والضغوط، فما الأداة السياسية والقانونية المتبقية للفلسطيني كي يطالب بحقوقه؟

 

هنا تصبح حالة منع الرئيس عباس من مخاطبة الأمم المتحدة من مقرها ذات دلالة تتجاوز الرجل نفسه. فعباس ربما يكون أكثر زعيم فلسطيني راهن على الخيار السياسي والتفاوضي منذ نشوء السلطة الفلسطينية. جعل المفاوضات خياره الأساسي، وتمسك بحل الدولتين، وعارض عسكرة الانتفاضة، وظل يراهن على المجتمع الدولي وعلى إمكانية تحويل الشرعية الدولية إلى مكاسب سياسية فلسطينية.

وهنا، يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حول حصيلة هذا الخيار، لكن تجربته تقدم اليوم سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا يقول مصير هذا المسار عن عائد الاعتدال السياسي الفلسطيني؟ فالاعتدال ليس موقفًا أخلاقيًا مجردًا. لكي يستمر سياسيًا، يحتاج إلى القدرة على إقناع المجتمع بأن له عائدًا. يحتاج من يقول لشعبه فاوضوا بدل أن تقاتلوا إلى أن يبرهن أن المفاوضات تستطيع تحقيق شيء. ومن يقول اذهبوا إلى القانون بدل القوة يحتاج إلى إثبات أن القانون يستطيع حمايتهم. ومن يطالبهم بالاحتكام إلى المؤسسات الدولية يحتاج إلى أن يسمح لهم باستخدام تلك المؤسسات عندما لا تأتي نتائجها متوافقة مع مصالح القوى الكبرى. وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة من منع رئيس من الحصول على تأشيرة. إنها تتعلق بما يمكن تسميته تآكل عائد الاعتدال الفلسطيني. فحين لا يستطيع التيار الذي راهن طوال عقود على المفاوضات والقانون والمؤسسات الدولية أن يقدم لمجتمعه حصيلة سياسية تتناسب مع حجم الرهان، فإن الذي يتآكل ليس مكانة شخص أو سلطة فقط، وإنما صدقية الفكرة التي حملها.

والأخطر أن هذه السياسة، بصرف النظر عن النيات المعلنة وراءها، قد تمنح التيارات الفلسطينية الأكثر تشددًا واحدة من أقوى الحجج التي استخدمتها تاريخيًا في مواجهة خيار التسوية: أن الولايات المتحدة لا تكافئ الاعتدال الفلسطيني، وأن التفاوض والاعتراف والالتزام بقواعد النظام الدولي لا يضمن للفلسطيني حقوقه عندما تتعارض هذه الحقوق مع المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.

وهنا تكمن مفارقة يصعب تجاهلها. فكلما ضاقت المساحة أمام محمود عباس وهو يستخدم أدوات الدبلوماسية والقانون الدولي، أصبح أسهل على خصوم نهجه أن يسألوا الفلسطيني: ماذا حقق لكم هذا الطريق؟ المشكلة إذن ليست في إضعاف عباس شخصيًا، وإنما في إضعاف الحجة السياسية التي يمثلها. فالرجل الذي راهن على المفاوضات، وعارض عسكرة الصراع، وتمسك بحل الدولتين، واختار الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ساحةً لتحصيل الحقوق الفلسطينية، يجد أن بعض هذه الأدوات نفسها أصبحت موضع ضغط وعقوبة.

ومن هنا يمكن فهم نتيجة ربما لم تحظَ بما يكفي من الانتباه: أن بعض السياسات الأمريكية تجاه القيادة الفلسطينية قد تنتج أثرًا معاكسًا للهدف الذي تعلنه واشنطن؛ فبدلًا من تعزيز الاعتدال وإضعاف التطرف، قد تضعف صدقية الأول وتمنح الثاني مادة إضافية لبناء سرديته. أما ما إذا كان ذلك نتيجة غير مقصودة لسياسة منحازة إلى إسرائيل، أم جزءًا من حسابات سياسية أوسع، فذلك يحتاج إلى أدلة تتجاوز قراءة النتائج. لكن السؤال المشروع يبقى قائمًا: من المستفيد سياسيًا من إفراغ الخيار المعتدل من عائده؟

فحين يُقال للفلسطيني إن القوة غير مشروعة، ثم يرى أن التفاوض لا ينهي الاحتلال، وأن القانون الدولي لا يُنفذ، وأن اللجوء إلى القضاء الدولي قد يجلب العقوبات، يصبح من الصعب على دعاة التسوية أن يقنعوه بأن المشكلة في الأدوات الأخرى وحدها. وهنا تصبح المفارقة الأمريكية أشد قسوة: السياسة التي تقول إنها تحارب التطرف قد تمنح المتطرفين الدليل الذي يحتاجونه للطعن في جدوى الاعتدال. ومن هذه الزاوية تحديدًا تصبح المقارنة مع إيران أكثر إثارة للتساؤل. فالولايات المتحدة، رغم الحرب والمواجهة القائمة مع طهران، قررت السماح للرئيس الإيراني ووزير خارجيته بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، انطلاقًا من التزاماتها المرتبطة باستضافة مقر الأمم المتحدة. وهذا من حيث المبدأ سلوك مفهوم؛ لأن الأمم المتحدة ليست مؤسسة أمريكية، وإن كان مقرها في نيويورك، ومنبرها ينبغي أن يبقى متاحًا حتى للدول التي تخوض صراعات مع دولة المقر. المشكلة إذن ليست: لماذا يدخل الإيراني؟ بل: لماذا لا تنطبق الفلسفة نفسها على الفلسطيني؟

وهنا تظهر مفارقة أخرى. نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة توقيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يستطيع مخاطبة الأمم المتحدة. والرئيس الإيراني، الذي تمثل بلاده الطرف الآخر في حرب مع الولايات المتحدة، يستطيع الحضور. أما رئيس السلطة الفلسطينية، الذي بنى مشروعه السياسي على التفاوض والاعتراف والتسوية والشرعية الدولية، فيحتاج إلى أن تتدخل الجمعية العامة كي تسمح له بمخاطبتها عبر شاشة. ليست القضية هنا أن يُمنع الأول أو الثاني حتى تتحقق المساواة. فالعدالة لا تتحقق بتعميم المنع، وإنما بتعميم الحق. والسؤال ليس من يستحق أن يدخل نيويورك ومن لا يستحق، بل ما إذا كان من المقبول أن تتحول الجغرافيا التي يوجد عليها مقر المنظمة الدولية إلى وسيلة تستطيع من خلالها دولة المقر التأثير في قدرة طرف سياسي على الوصول إليها.

 

ولعل المفارقة الأشد أن الجمعية العامة نفسها اضطرت إلى معالجة الأمر، فصوتت بأغلبية 152 دولة للسماح لعباس بالمشاركة عبر الفيديو بعد رفض منحه التأشيرة. كأن المؤسسة الدولية فتحت له نافذة إلكترونية لأن الباب الجغرافي المؤدي إليها أُغلق أمامه. لكن المسألة الفلسطينية أعمق بكثير من الوصول إلى قاعة في نيويورك.فما حدث يعيد طرح سؤال ظل مؤجلًا منذ سنوات: ماذا يحدث عندما تصبح كل الطرق التي يُطلب من الطرف الأضعف استخدامها غير قادرة على إنتاج نتيجة؟ حين يستخدم القوة يقال له: عليك بالسياسة. وحين يفاوض يقال له: انتظر نضج الظروف.وحين يذهب إلى الأمم المتحدة يقال له: لا تدوّل الصراع. وحين يذهب إلى المحاكم الدولية يقال له: لا تستخدم القضاء ضد إسرائيل. وحين يطالب بتنفيذ القرارات الدولية، يصطدم بحسابات القوة والفيتو والمصالح.

فماذا بقي له؟ هذه ليست دعوة إلى اختيار أداة أخرى، ولا تبريرًا للعنف، وإنما سؤال ينبغي أن يقلق الذين يريدون فعلًا بقاء السياسة والقانون بديلين عن القوة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام دولي ليس فقط أن يعجز عن تحقيق العدالة، بل أن يفقد الناس إيمانهم بأن أدواته قادرة أصلًا على الوصول إليها. وهنا ربما تكون المفارقة الأمريكية أكثر عمقًا مما تبدو عليه. فالسياسة التي تعاقب القيادة الفلسطينية على بعض أشكال لجوئها إلى المؤسسات الدولية قد تعتقد أنها تضغط عليها لتغيير سلوكها، لكنها في الوقت ذاته تخاطر بإضعاف الحجة التي استخدمتها هذه القيادة طوال عقود لإقناع الفلسطينيين بأن القانون والدبلوماسية والتفاوض يمكن أن تكون أدوات مجدية.وعندما يفقد المعتدل القدرة على إثبات جدوى اعتداله، لا تكون المشكلة مشكلته وحده. إنها مشكلة النظام الذي طالبه بالاعتدال.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نوجهه إلى واشنطن: لماذا رفضتم تأشيرة محمود عباس؟ فهذه واقعة سياسية قد تنتهي بتأشيرة أخرى، أو إدارة أخرى، أو دورة جديدة للجمعية العامة.السؤال الذي سيبقى بعدها أكثر أهمية: بعد أكثر من ثلاثة عقود من المفاوضات والاعتراف والتسوية والاحتكام إلى المؤسسات الدولية، ماذا تقول الولايات المتحدة للفلسطيني حين يسألها ببساطة: أي الأدوات بقي مسموحًا لي باستخدامها للحصول على حقوقي؟ لأن العالم إذا لم يستطع الإجابة عن هذا السؤال، فلا ينبغي أن يفاجأ يومًا عندما يتوقف الفلسطيني عن تصديق الإجابات التي قدمها له طوال العقود الماضية.

أحدث الأخبار