كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، عن صدور تعليمات جديدة من قيادة الجيش الإسرائيلي تقضي بتقييد العمليات الهجومية في قطاع غزة، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في السياسة العسكرية الإسرائيلية وسط ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة مرتبطة بمسار اتفاق وقف إطلاق النار وخارطة الطريق المطروحة للانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات.
وبحسب ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر عسكري، فإن رئيس الأركان إيال زامير أصدر أوامر بتقييد العمليات الهجومية داخل القطاع، موضحاً أن القرار جاء عقب إعلان "مجلس السلام" ضرورة التزام إسرائيل بوقف عمليات الاغتيال والتصعيد العسكري في غزة. كما أكد المصدر أن هذه الإجراءات اتُخذت بناءً على توجيهات صادرة عن المستوى السياسي الإسرائيلي.
قيود جديدة على استخدام القوة
وتشير المعطيات التي أوردتها إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن أي عملية اغتيال أو استهداف نوعي داخل قطاع غزة باتت تتطلب موافقة مباشرة وحصرية من رئيس الأركان، بعدما كانت تُنفذ سابقاً بمصادقة قادة المناطق والفرق العسكرية. ووصفت مصادر أمنية إسرائيلية هذه الإجراءات بأنها الأكثر تشدداً منذ أشهر، ما يعني عملياً خفض وتيرة الغارات الجوية وتقليص هامش حرية العمل الهجومي للقوات الإسرائيلية داخل القطاع.
وأضافت المصادر أن الجيش لم ينفذ خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية سوى عدد محدود جداً من الهجمات مقارنة بمستويات التصعيد التي شهدتها غزة خلال الأيام الأخيرة، ما يعكس وجود توجه سياسي لاحتواء التصعيد وعدم توسيع المواجهة في هذه المرحلة.
خلافات بين نتنياهو ومجلس السلام
ويأتي القرار في ظل استمرار الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية و"مجلس السلام" بشأن آليات تنفيذ الاتفاق الخاص بقطاع غزة. فقد طالب رئيس المجلس نيكولاي ميلادينوف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف العمليات العسكرية والاغتيالات باعتبارها جزءاً من الالتزامات المطلوبة لإنجاح المرحلة الثانية من الاتفاق.
وخلال اللقاء الذي جمع الجانبين في القدس، شدد ميلادينوف على ضرورة التزام إسرائيل بخارطة الطريق التي تحظى بدعم الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، معتبراً أن استمرار الضربات العسكرية قد يقوض فرص التوصل إلى تفاهمات نهائية بشأن مستقبل القطاع.
في المقابل، لا تزال الحكومة الإسرائيلية تبدي تحفظات على عدد من بنود الخطة، خاصة ما يتعلق بآليات نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، ودور الوسطاء الإقليميين، وطبيعة القيود التي قد تُفرض مستقبلاً على حرية حركة الجيش الإسرائيلي داخل غزة.
القرار لا يعني وقف الحرب
ورغم القيود الجديدة، تؤكد مصادر إسرائيلية أن القرار لا يشكل وقفاً شاملاً للعمليات العسكرية، بل يقتصر على الحد من نطاق الهجمات وتقنين عمليات الاغتيال. وأشارت المصادر إلى أن الجيش سيواصل استهداف من يصنفهم كعناصر مسلحة عندما تتاح الفرصة، مع الالتزام بالضوابط الجديدة التي فرضتها القيادة السياسية والعسكرية.
ارتباط مباشر بمفاوضات غزة
ويرى مراقبون أن القرار الإسرائيلي يأتي في إطار محاولة تهدئة الأجواء ومنح فرصة إضافية للجهود السياسية الجارية، خصوصاً بعد الضغوط التي مارسها الوسطاء ومجلس السلام للدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. كما يتزامن مع حالة من التوتر بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية حول ترتيب تنفيذ بنود الاتفاق، حيث تتمسك تل أبيب بربط أي انسحاب أو تخفيف للعمليات العسكرية باستكمال ترتيبات نزع السلاح، بينما تطالب الفصائل بوقف العدوان والانسحاب أولاً قبل تنفيذ بقية البنود.
ماذا يعني القرار ميدانياً؟
إذا استمر تطبيق هذه التعليمات، فمن المرجح أن تشهد غزة تراجعاً في عدد الغارات وعمليات الاغتيال خلال الفترة المقبلة، ما قد يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لاستكمال المفاوضات. غير أن استمرار الخلافات بين إسرائيل ومجلس السلام، والاعتراضات التي يبديها شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي على بعض بنود الخطة، يجعل مستقبل الاتفاق مرهوناً بقدرة الوسطاء على تجاوز العقبات السياسية والأمنية القائمة.







