الذكرى الثانية لاستشهاد يحيى السنوار.. من زنازين الأسر إلى مشهد الاشتباك الأخير في رفح

الذكرى الثانية لاستشهاد يحيى السنوار.. من زنازين الأسر إلى مشهد الاشتباك الأخير في رفح

مدار نيوز \

كتبت: سلوى أحمد \ تحل الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يحيى السنوار، الذي استشهد في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، خلال اشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، في نهاية مسيرة امتدت من العمل الطلابي والاعتقال الطويل إلى قيادة الحركة خلال واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ القضية الفلسطينية.

وبعد عامين على استشهاده، لا يزال السنوار حاضراً في السجال السياسي والإعلامي المرتبط بحرب غزة وتداعيات عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، التي قادتها كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، بمشاركة فصائل فلسطينية أخرى. وبينما تصفه “إسرائيل” بأنه أحد المسؤولين الرئيسيين عن العملية، تستحضر حماس مشهد استشهاده بوصفه تعبيراً عن مواصلة المواجهة حتى اللحظات الأخيرة.

” حماس”: استشهاده لم ينهِ مسيرة المقاومة

وفي بيان بمناسبة الذكرى الثانية، قالت حركة “حماس” إن السنوار دشّن مرحلة جديدة من الاشتباك والمواجهة المفتوحة مع الاحتلال، معتبرة أن تداعياتها لا تزال مستمرة في المنطقة، وأن ملامح المشهد الإقليمي تتشكل على وقع الحرب وتداعياتها.

واستحضرت الحركة مشاهد اللحظات الأخيرة للسنوار، التي بثها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وظهر فيها مصاباً داخل مبنى متضرر، قبل أن يلقي عصاً باتجاه طائرة مسيّرة. واعتبرت “حماس” أن هذه المشاهد عززت رمزيته في الذاكرة الفلسطينية، مؤكدة أن استشهاده لم يؤدِّ إلى إنهاء المقاومة، بل تحول، وفق تعبيرها، إلى دافع لمواصلة المواجهة.

من مخيم خانيونس إلى قيادة “حماس”

وُلد يحيى إبراهيم السنوار في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1962 في مخيم خانيونس للاجئين جنوبي قطاع غزة، لعائلة فلسطينية هُجّرت من مدينة المجدل عام 1948. ونشأ في بيئة اللجوء التي طبعتها ظروف معيشية صعبة، قبل أن يتلقى تعليمه في مدارس القطاع ويلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث درس اللغة العربية.

وخلال سنواته الجامعية، برز في العمل الطلابي والإسلامي، وتولى رئاسة الكتلة الإسلامية، وشارك في النشاط التنظيمي الذي سبق تأسيس حركة “حماس” في ثمانينيات القرن الماضي.

 23 عاماً في سجون الاحتلال 

أمضى السنوار نحو 23 عاماً في سجون الاحتلال، وتخللت سنوات أسره فترات من العزل. وخلال هذه المرحلة، تعلم اللغة العبرية واطلع على الأدبيات الإسرائيلية، كما شارك في النشاط التنظيمي داخل السجون وتولى مواقع قيادية بين الأسرى المنتمين إلى حركة حماس.

وإلى جانب العمل التنظيمي، اهتم بالكتابة والترجمة، وارتبط اسمه برواية “الشوك والقرنفل”، التي تناولت محطات من التاريخ الفلسطيني وتجربة العمل الوطني والمقاومة في قطاع غزة.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2011، أُفرج عنه ضمن صفقة “وفاء الأحرار”، المعروفة إسرائيلياً بصفقة شاليط، التي أُطلق بموجبها سراح 1027 أسيراً وأسيرة فلسطينيين مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أُسر في قطاع غزة عام 2006.

وشكل الإفراج عنه نقطة تحول في مسيرته، إذ عاد إلى غزة ليتقدم في مواقع القيادة داخل حماس، ويشارك في صياغة توجهاتها السياسية والأمنية والعسكرية.

 من قيادة غزة إلى رئاسة المكتب السياسي

في عام 2012، انتُخب السنوار عضواً في المكتب السياسي لحركة “حماس”، ثم انتُخب عام 2017 رئيساً للمكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، خلفاً لإسماعيل هنية، في مرحلة اتسمت بتصاعد المواجهة مع الاحتلال وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية في القطاع المحاصر.

وخلال توليه قيادة الحركة في غزة، برز اسمه في الملفات المتعلقة بالعلاقة بين القيادة السياسية والجناح العسكري، وفي المفاوضات غير المباشرة المرتبطة بالتهدئة وتبادل الأسرى.

وعقب اغتيال إسماعيل هنية في طهران في تموز/يوليو 2024، أعلنت “حماس” في آب/أغسطس من العام نفسه اختيار السنوار رئيساً لمكتبها السياسي، ليتولى قيادة الحركة في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة.

“طوفان الأقصى” ومحطة المواجهة الكبرى

ارتبط اسم السنوار بعملية “طوفان الأقصى” التي انطلقت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ونفذتها كتائب القسام بمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، واستهدفت مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية محاذية لقطاع غزة، وأسفرت عن مقتل وأسر مئات الإسرائيليين.

ووصفت “إسرائيل” السنوار بأنه أحد أبرز مخططي العملية، وجعلت اغتياله هدفاً رئيسياً خلال الحرب التي شنتها على قطاع غزة. وفي المقابل، قدمته حماس باعتباره قائداً سياسياً وعسكرياً واصلت من خلاله إدارة المواجهة خلال أشهر الحرب.

وقد شكلت العملية نقطة تحول في الصراع، إذ أعقبها عدوان اسرائيلي واسعة على قطاع غزة، رافقه عمليات قصف وتدمير ونزوح جماعي، وخسائر بشرية واسعة، إلى جانب أزمة إنسانية حادة وانهيار قطاعات أساسية من البنية التحتية والخدمات.

 رفح.. المشهد الأخير

في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، انتهت مسيرة السنوار في حي تل السلطان بمدينة رفح، خلال اشتباك مع قوات الاحتلال. وأظهرت الصور التي نشرها جيش الاحتلال لاحقاً السنوار داخل مبنى تعرض لأضرار جسيمة، وهو يرتدي ملابس عسكرية ويحمل عصاً، قبل أن يستهدفه الجيش ويعلن مقتله في اليوم التالي.

وانتشرت صورة اللحظات الأخيرة على نطاق واسع، وتحولت إلى محور متباين في التناول الإعلامي والسياسي؛ إذ استخدمتها “حماس” للتأكيد على روايتها بشأن استشهاده خلال المواجهة، فيما قدمها الاحتلال بوصفها دليلاً على نجاح عمليته العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، استمر الجدل حول إرث السنوار السياسي والعسكري، وحدود تأثير اغتيال قيادات الحركة في مسار الحرب والمفاوضات ومستقبل قطاع غزة.

عامان على استشهاده.. حرب مستمرة وتداعيات مفتوحة

تأتي الذكرى الثانية لاستشهاد السنوار في ظل استمرار التداعيات الإنسانية والسياسية للحرب على قطاع غزة، رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفق البيانات والتقارير المتاحة.

وبحسب التقرير الإحصائي الصادر عن وزارة الصحة في غزة في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ بدء الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 74,396 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين 175,449. وأشارت الوزارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل بالضرورة جميع الضحايا الذين لا يزالون تحت الأنقاض أو في مناطق يتعذر الوصول إليها.

وتتجاوز ذكرى السنوار استعادة محطات حياته ووفاته إلى قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما حملته من تحولات عسكرية وسياسية وإنسانية، وما تركته من أسئلة مفتوحة بشأن مستقبل غزة، ومصير القضية الفلسطينية، وإمكانية الوصول إلى تسوية تنهي الحرب والاحتلال وتضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

أحدث الأخبار