أطفال غزة في خيام النزوح... طفولة أثقلتها مشاهد الجوع والموت والدمار ..المستشار د. أحمد يوسف

أطفال غزة في خيام النزوح... طفولة أثقلتها مشاهد الجوع والموت والدمار ..المستشار د. أحمد يوسف

«في الحروب يدفع الأطفال ثمنًا لم يختاروه؛ يفقدون البيت والمدرسة والأمان، ثم يُطلب منهم أن يكبروا قبل أوانهم، وأن يحملوا فوق أكتافهم الصغيرة بعضًا من أعباء النجاة.»
ليس في الحروب ضحايا أشد هشاشة من الأطفال؛ فهم لا يفهمون حسابات السياسة، ولا يعرفون لماذا تتساقط القذائف فوق بيوتهم، ولا لماذا عليهم أن يغادروا أسرّتهم ومدارسهم وألعابهم وأحياءهم، ثم يسيروا مع آبائهم وأمهاتهم إلى المجهول. وكل ما يعرفونه أن عالمهم الصغير، الذي كان يمنحهم شيئًا من الطمأنينة، قد انهار فجأة، وأن عليهم منذ تلك اللحظة أن يتعلموا لغة جديدة لم تكن من مفردات طفولتهم: القصف، والنزوح، والخيمة، والطابور، والجوع، والموت، والفقد.
ولعل أطفال قطاع غزة كانوا خلال سنوات الحرب والنزوح من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذه المأساة الإنسانية؛ فالطفل الغزي لم يكن مجرد شاهد على الحرب، بل أصبح جزءًا من تفاصيلها اليومية؛ ينام على أصوات الانفجارات، ويستيقظ على أخبار الموت، ويشاهد البيوت وهي تتحول إلى ركام، وقد يرى بعينيه قريبًا أو جارًا أو صديقًا يُقتل أو يُصاب، ثم يحمل هذه الصور معه أينما انتقلت العائلة في رحلة نزوحها الطويلة.
ولكي ندرك حجم الفاجعة التي أصابت طفولة غزة، تكفي الإشارة إلى أن الأطفال كانوا من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذه الحرب دمًا وحياةً ومستقبلًا. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بأنه حتى الثالث من فبراير/شباط 2026 كان قد أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 21,289 طفلًا في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلًا عن إصابة نحو 44,500 طفل. وهذه ليست مجرد أرقام تُدرج في بيانات الحرب؛ فخلف كل رقم طفل له اسم ووجه وأسرة ومدرسة وأصدقاء وأحلام صغيرة لم يُتح لها أن تكتمل.
وإذا كان هذا هو حال الأطفال الذين قُتلوا أو أُصيبوا، فإن هناك جيلًا كاملًا بقي على قيد الحياة وهو يحمل في ذاكرته صورًا ربما لا تفارقه لسنوات طويلة: طفل شاهد أخاه أو أحد والديه يُقتل أمام عينيه، وآخر أُخرج من تحت الركام، وثالث فقد أسرته أو منزله، وآلاف تنقلوا مع ذويهم بين مخيمات النزوح وهم يشاهدون الموت والجوع والدمار في كل محطة. ولذلك، فإن الحديث عن ضحايا الحرب من الأطفال لا ينبغي أن يقتصر على أعداد القتلى والجرحى، على فداحة تلك الأرقام، فهناك كذلك مئات الآلاف من الناجين المجروحين نفسيًا، الذين ستظل آثار ما شاهدوه وعاشوه بحاجة إلى سنوات من الرعاية والاحتضان وإعادة التأهيل.
كان النزوح في حياة أطفال غزة اقتلاعًا كاملًا من المكان والذاكرة. فالبيت بالنسبة إلى الطفل ليس جدرانًا وسقفًا فقط؛ إنه عالمه الصغير الذي تتشكل فيه ذاكرته الأولى: سريره، ولعبته، وكتبه، ومدرسته، وأصدقاء الحي، وصوت الأم في المطبخ، وحكايات الجد والجدة، وتفاصيل كثيرة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء.
وفجأة، أصبح عليه أن يترك كل ذلك خلفه، وأحيانًا خلال دقائق، لينطلق مع أسرته حاملًا حقيبة صغيرة أو قطعة ملابس أو بعض الطعام، من دون أن يعرف إلى أين يذهب أو متى سيعود.
وما كان النزوح، في كثير من الحالات، رحلة واحدة، بل تنقلت العائلات مرارًا من مكان إلى آخر؛ من مدرسة إلى خيمة، ومن مخيم إلى مخيم، ومن منطقة قيل إنها آمنة إلى أخرى، ثم يأتي أمر جديد بالإخلاء، فتبدأ رحلة أخرى. وفي كل مرة كان الطفل يعيد تجربة الفقد ذاتها؛ يجمع ما تبقى له من أشياء، ويساعد أهله في حمل الأمتعة، ويسير في طرق مزدحمة بالنازحين، ويرى وجوهًا متعبة وأجسادًا منهكة وأطفالًا يبكون، ثم يصل إلى مكان جديد عليه أن يتعلم كيف يعيش فيه من الصفر.
وهكذا فقد الطفل الغزي ذلك المعنى البسيط الذي يحتاج إليه كل طفل في العالم: أن يكون له مكان ثابت يستطيع أن يقول عنه: هذا بيتي.
ومن أكثر ما يوجع القلب في تجربة النزوح أن كثيرًا من أطفال غزة اضطروا إلى مغادرة عالم الطفولة قبل أوانهم. ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن تكون مهمة الطفل أن يذهب إلى المدرسة، ويلعب مع أقرانه، ويتعلم ويحلم بمستقبله، لكن الحياة في مخيمات النزوح فرضت عليه أدوارًا أخرى لم يكن ينبغي أن يحملها في هذا العمر.
رأينا أطفالًا يقفون في طوابير طويلة للحصول على الماء، يحملون الأوعية الثقيلة إلى الخيام، ويبحثون عن الحطب والكرتون وقطع البلاستيك لإشعال النار، وينتظرون أمام التكايا والمطابخ المجتمعية للحصول على وجبة طعام لأسرهم.
ورأينا الطفل يساعد والده في نصب الخيمة وترميمها بعد الرياح والأمطار، أو يساعد والدته في رعاية إخوته الأصغر، أو يخرج بحثًا عن الطعام والماء بينما يبقى الأب أو الأم مع طفل مريض أو مصاب. وبعض الأطفال اضطروا إلى البيع في الطرقات والأسواق أو القيام بأعمال بسيطة للمساهمة في توفير شيء من احتياجات الأسرة.
هذه ليست مسؤوليات طفل في السابعة أو العاشرة أو الثانية عشرة من عمره، وإنما مسؤوليات فرضتها ظروف البقاء على قيد الحياة. والمؤلم أن الطفل يتكيف معها أحيانًا حتى يبدو للناظر قويًا وقادرًا على الاحتمال، بينما قد يكون في داخله عالم كامل من الخوف والقلق والحزن المكبوت.

الجوع والموت... ذاكرة لا تنسى
ولعل الجوع كان واحدًا من أقسى التجارب التي عاشها أطفال غزة. فالطفل الذي اعتاد أن يطلب الطعام عندما يجوع وجد نفسه أمام أم لا تملك شيئًا تقدمه له، وأب يبحث ساعات طويلة عن رغيف خبز أو علبة حليب أو شيء يسد به رمق أسرته.
أي أثر يتركه في نفس طفل أن يسمع أمه تقول له: لا يوجد طعام؟
وكيف يفهم طفل صغير أن عليه أن يحتمل الجوع لأن الطعام غير متوفر؟
إن مشهد الأطفال وهم يقفون بالساعات أمام المطابخ المجتمعية والتكايا، يحملون أوعية صغيرة بانتظار ما تجود به القدور، سيبقى واحدًا من أكثر مشاهد هذه الحرب إيلامًا. بعض هؤلاء الأطفال لم يعودوا يسألون عن نوع الطعام، بل أصبح سؤالهم أكثر بساطة وقسوة: هل سنأكل اليوم؟
وهنا يتحول الجوع من حاجة جسدية عابرة إلى تجربة نفسية عميقة مرتبطة بالخوف من الغد وعدم اليقين بشأن أبسط مقومات الحياة.
أما الجرح الأكثر عمقًا فهو ما شاهدته عيون الأطفال من قتل ودمار. ففي الظروف الطبيعية، يحاول الآباء حماية أطفالهم من مشاهدة حادث مؤلم أو منظر مخيف؛ فكيف بطفل عاش سنوات يرى الموت جزءًا من المشهد اليومي؟
هناك أطفال شاهدوا بيوتهم تُقصف، وآخرون رأوا أقاربهم تحت الركام، ومنهم من فقد أبًا أو أمًا أو أخًا أو أختًا، وربما أكثر من فرد من أسرته. وهناك من شاهد الجرحى والدماء والأشلاء في الشوارع والمستشفيات، أو عاش لحظات القصف وهو لا يعرف إن كان سيبقى حيًا حتى الصباح.
وهذه المشاهد لا تنتهي عندما يتوقف صوت الانفجار؛ فقد تستقر في الذاكرة، وتعود في الأحلام والكوابيس، وفي الخوف من الأصوات العالية، وفي التعلق الشديد بالأم أو الأب، وفي الانطواء أو الغضب أو الصمت.
والأشد إيلامًا أن المصيبة لم تكن حالة استثنائية يمكن للمجتمع أن يلتف حول صاحبها ويواسيه، لأن المصائب طالت الجميع تقريبًا. فالذي يريد أن يواسي غيره يحتاج هو نفسه إلى من يواسيه.
وإلى جانب القتل والجوع والنزوح، تعرض أطفال غزة لخسارة أخرى شديدة الخطورة: انقطاع الحياة الطبيعية. فالمدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط، بل هي مساحة للاستقرار الاجتماعي والنفسي؛ فيها يلتقي الطفل بأصدقائه، ويلعب ويتحدث ويتعلم وينظم يومه، ويشعر بأن للحياة مسارًا طبيعيًا ومستقبلًا ينتظره.
وحين تغيب المدرسة لأشهر وسنوات، لا يخسر الطفل دروسه فقط، بل يخسر جزءًا مهمًا من بنيته النفسية والاجتماعية.
وفي مخيمات النزوح لم تكن هناك، في معظم الأحيان، مساحات آمنة ومنظمة للعب والترفيه تستطيع استيعاب هذا العدد الهائل من الأطفال. وحتى حين ابتكر الأطفال ألعابهم بين الخيام، كانت الحرب تحاصر طفولتهم؛ فالمكان ضيق، والخصوصية معدومة، والخطر حاضر، والأهل مشغولون بتدبير الطعام والماء وضرورات الحياة.
كان الطفل يحتاج إلى مساحة يركض فيها بعيدًا عن حديث القصف والشهداء والمفقودين والمساعدات، لكنه كان يسمع هذه الكلمات صباحًا ومساءً؛ لأنها أصبحت حديث الكبار والصغار معًا.
والأزمة الأكبر أن حجم الصدمة كان أوسع بكثير من إمكانات الدعم النفسي والاجتماعي المتاحة. ففي الكوارث والحروب، يحتاج الأطفال الذين تعرضوا لمشاهد الموت والفقد والنزوح إلى برامج متخصصة للدعم النفسي، وإلى مدارس ومراكز مجتمعية ومساحات آمنة للعب والتعبير والرسم والرياضة، وإلى مختصين يساعدونهم على فهم ما مروا به والتعامل مع الخوف والحزن.
لكن حين يكون المجتمع كله منكوبًا، والمستشفيات عاجزة عن علاج الجروح الجسدية، والمدارس مدمرة أو تحولت إلى مراكز إيواء، والمؤسسات نفسها مشتتة أو منهكة، يصبح الجرح النفسي أقل ظهورًا، وإن كان عميقًا وخطيرًا.
ولذلك، فإن انتهاء الحرب، متى انتهت، لن يعني بالضرورة انتهاء معاناة الأطفال.
قد يصمت المدفع، لكن ذاكرة الطفل لا تصمت بالسهولة نفسها. وقد تُزال الأنقاض من الشوارع قبل أن تزول من الذاكرة، وقد يُعاد بناء البيت أسرع من إعادة بناء الشعور بالأمان داخل طفل شاهد بيته يُهدم أمام عينيه.

إعادة إعمار الإنسان
إن أطفال غزة بعد هذه الحرب يحتاجون إلى أكثر من مساعدات غذائية وملابس وخيام، على أهمية كل ذلك؛ إنهم بحاجة إلى مشروع وطني وإنساني واسع لإنقاذ الطفولة.
يجب أن تكون إعادة الأطفال إلى التعليم في مقدمة الأولويات، إلى جانب برامج طويلة المدى للصحة النفسية والدعم الاجتماعي، وإقامة مساحات آمنة للعب والرياضة والفنون، ورعاية خاصة للأيتام والأطفال الذين فقدوا أفرادًا من أسرهم، وكذلك الأطفال المصابين وذوي الإعاقة ومن عاشوا تجارب قاسية تحت الأنقاض أو في المستشفيات أو أثناء النزوح.
كما أن الأسرة نفسها تحتاج إلى المساندة؛ لأن الأب والأم اللذين أنهكتهما الحرب يحتاجان إلى من يساعدهما حتى يستطيعا إعادة الشعور بالأمان إلى أطفالهما. ولا ينبغي التعامل مع الصحة النفسية للأطفال باعتبارها أمرًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الإعمار، فإعادة إعمار الإنسان يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع إعادة إعمار الحجر.
لقد تعلم أطفال غزة خلال سنوات الحرب أشياء لم يكن ينبغي لطفل أن يتعلمها.
تعلموا أسماء الأسلحة قبل أن يكملوا كتبهم المدرسية، وعرفوا معنى النزوح قبل أن يعرفوا جغرافية وطنهم، ووقفوا في طوابير الماء والطعام بدل الطابور المدرسي، وحملوا أوعية المياه وأكياس الطحين بدل حقائبهم ودفاترهم، ورأوا من الموت والدمار ما يعجز الكبار أنفسهم عن احتماله.
ومع ذلك، ما زلت أرى في أطفال المخيمات قدرة مدهشة على البحث عن الحياة. تراهم يصنعون كرة من قطع القماش، أو يرسمون على جدار خيمة، أو يركضون بين الأزقة الضيقة، أو يضحكون للحظات كأنهم ينتزعون من الحرب حقهم في أن يكونوا أطفالًا.
هذه القدرة على الحياة ينبغي ألا تجعلنا نقلل من حجم ما أصابهم، بل يجب أن تجعل مسؤوليتنا تجاههم أكبر.
فأطفال غزة ليسوا أرقامًا في قوائم الضحايا والنازحين، وإنما هم ذاكرة فلسطين ومستقبلها. وإذا كان إعمار غزة يعني إعادة بناء البيوت والشوارع والمدارس والمستشفيات، فإن الإعمار الحقيقي يبدأ من هؤلاء الأطفال؛ من إعادة المدرسة إلى حياتهم، والأمان إلى نفوسهم، واللعب إلى أيامهم، والأمل إلى مخيلتهم.
إن أكبر انتصار يمكن أن نقدمه لهم بعد كل ما شاهدوه ليس فقط أن تتوقف الحرب، بل أن نعيد إليهم ما سلبته منهم:
أن نعيد إليهم طفولتهم.

أحدث الأخبار