باتت المنازل الخليجية الحديثة تستقبل أسلوب الجابندي كخيار ديكوري متنام، خاصة في مجالس استقبال الضيوف، وهو الأسلوب الذي ينبثق عن حوار ثقافي عميق بين الجماليات اليابانية والإسكندنافية. لا يعتمد هذا الاتجاه على "الصراخ" البصري الذي تفرضه الألوان الصارخة أو المواد اللامعة، بل يسعى إلى امتصاص إرهاق اليوم بهدوء مكوناته المرتكزة على الطبيعة والاستدامة.
تعود جذور هذا الأسلوب إلى ما يزيد على 150 عاماً، عندما سافر المصممون الدنماركيون إلى اليابان بحثاً عن الإلهام، لينتجوا عن هذا الالتقاء خلطة جذابة تدمج العناصر الطبيعية والحِرف اليدوية عالية الجودة مع تقدير البساطة في التصميم، دون أن تضيّع واحدة منهما هويتها الخاصة. تجتنب هذه الخامات الطبيعية والمستدامة موضة تتبدل كل فترة، وهو ما يعكس صُلب الفخامة المطلوبة في المنازل الخليجية المعاصرة.
ترى داليا إدريس آل طه، مهندسة التصميم الداخلي العراقية المقيمة في الإمارات العربية المتحدة، أن توجه الخليج الراهن نحو الجابندي ينبع من رغبة حقيقية في تجاوز فكرة "الترند" الآني والحفاظ على قيمة جمالية دائمة. وقد لاحظت أن نسخة الجابندي في 2026 أضحت أكثر نضجاً من السابق، حيث لم يعد الهدف "إنتاج مساحة محايدة بألوان البيج؛ بل خلق بيئة تحمل شخصية ساكنيها".
تشدد المهندسة على أهمية الاعتماد على الخامات الطبيعية ذات الملمس الواضح، مثل الأحجار والأخشاب الغنية بالعروق، مع ألوان ترابية أعمق وإضاءة ديناميكية تخلق مشاهد متغيرة على مدار اليوم. وفي سياق التطور الثقافي الملحوظ، تؤكد أن "الاتجاه الحالي يميل إلى دمج القطع الفنية والحِرفية المحلية؛ بدلاً عن استيراد هوية التصميم بالكامل من الثقافة اليابانية أو الإسكندينافية"، مؤكدة أن "التصميم الناجح لا ينسخ ثقافة أخرى؛ بل يستلهم منها ثم يعيد ترجمتها بما يناسب البيئة المحلية".
والدرس الحقيقي الذي يقدمه الجابندي، بحسب رأيها، لا يكمن في شكل الأثاث وحده، بل في طريقة التفكير ذاتها. فالفلسفة الكامنة تركز على أن كل عنصر يجب أن يؤدي وظيفة، وأن الفراغ ليس مساحة بحاجة إلى امتلاء بل هو "عنصر أساسي يمنح التوازن لبقية المشهد". في السياق العربي، يمكن ترجمة هذه الفكرة دون التخلي عن الهوية المحلية، من خلال توظيف مواد طبيعية محلية والاستفادة من الإضاءة الطبيعية والاهتمام بجودة التنفيذ على حساب كثرة التفاصيل الزخرفية.
وفيما يخص الفخامة المنشودة في منازل الخليج، لا يتعين التخلي عن الرخام الفاخر أو الأخشاب الطبيعية أو الأسقف العالية، بحسب المهندسة، بقدر ما يتطلب الأمر إعادة تقديمها بطريقة أكثر هدوءاً وتوازناً؛ بحيث تصبح المادة نفسها هي العنصر الفاخر بدلاً من الاعتماد على كثرة الزخارف المحيطة بها. وتختم برأيها: "المنزل الناجح ليس الأكثر تصويراً؛ بل هو الأكثر راحة للذين يعيشون فيه، وهذا هو الجابندي باختصار".
