
تواجه باكستان ضغوطًا هائلة لإنجاز ما يعتبره بعض الدبلوماسيين مهمة مستحيلة، وهي التوسط في إبرام اتفاق سلام بين إيران والولايات المتحدة من أجل استقرار الاقتصاد العالمي، مع ضمان توفير الحماية للمفاوضين من الجانبين، الذين يخوضون بالفعل سجالات حادة حول الهدنة الهشّة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وشارك قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، ورئيس الوزراء، شهباز شريف، في جهود دبلوماسية على مدى أسابيع لوقف حرب يمكن أن تزيد من عدم الاستقرار على امتداد الحدود الغربية لباكستان مع إيران وأفغانستان. بعدما تبادلت باكستان وأفغانستان إطلاق النار في الآونة الأخيرة.
وفرضت السلطات إغلاقًا فعليًا على أجزاء من العاصمة إسلام أباد، الخميس، مع وصول المسؤولين الإيرانيين، فيما يصل الوفد الأميركي، بقيادة نائب الرئيس، جيه دي فانس، غدًا الجمعة.
ويقول محللون، إنه بمجرد أن يجمع المسؤولون الباكستانيون واشنطن وطهران حول طاولة المفاوضات يوم السبت، سيسعون لتوجيه المحادثات نحو اتفاق دائم.
وقال الباحث المقيم في "مجلس سياسات الشرق الأوسط"، كامران بخاري، "لا تريد باكستان أن تؤدي الحرب إلى فوضى في إيران، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الوضع الأمني المتدهور أصلًا بشكل كبير على حدودها الغربية".
ويمثّل دور باكستان تحولًا جذريًا في مسارها، بعد أن كانت البلاد مهمشة دبلوماسيًا حتى قبل عام واحد فقط. ومن شأن النجاح في حوار يوم السبت أن يسهم بشكل كبير في الحفاظ على مكانتها البارزة المكتسبة حديثًا.
وقال المحلل الأمني في "جامعة سيدني للتكنولوجيا"، محمد فيصل، "لقد استثمرت باكستان علنًا رأس مالها السياسي في الوساطة؛ وإذا انهارت المحادثات، فإنها تخاطر بأن يُنظر إليها على أنها تفرّط في الوعود، ولا تفي بها".
احتياطات إضافية
عزّزت السلطات في إسلام أباد الإجراءات الأمنية في الشوارع المحيطة بفندق "سيرينا" الفاخر، إذ قال مصدران إن من المقرر إجراء المحادثات هناك. وتم إخلاء الفندق من النزلاء ووضعه تحت سيطرة الحكومة، فيما جرى إغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة. وكثّفت الشرطة نقاط التفتيش والحواجز والدوريات في جميع أنحاء المدينة، ونشرت قوات أمن إضافية.
ويعكس حجم هذه الإجراءات الاحترازية مدى المخاطر التي تشعر بها باكستان، فهي لا تخشى فقط من عنف الجماعات المسلحة في الداخل، بل تتوجّس من أن تؤدي أي هزة أمنية إلى إجهاض هذا الانفتاح الدبلوماسي الهشّ.
وقال مسؤولون أمنيون، إن الإجراءات تجاوزت الترتيبات الروتينية لزيارة رفيعة المستوى، إذ تم تعزيز مراقبة المجال الجوي ووضع خدمات الطوارئ في حالة تأهب.
وفي حين أصبحت الهجمات في المراكز الحضرية الرئيسية في باكستان نادرة، تصاعدت وتيرة أعمال العنف المسلح على امتداد مناطقها الحدودية مع أفغانستان، منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة هناك في عام 2021.
وأدى هجوم انتحاري في إسلام أباد في شباط/ فبراير إلى تفاقم المخاوف، وكان من بين الأسباب التي دفعت باكستان إلى شن غارات جوية على أفغانستان بعد ذلك بأيام، ما أدى إلى قتال استمر لأسابيع مع حليفتها التي كانت قريبة منها في السابق.
وقالت مديرة "برنامج جنوب آسيا" في مركز "ستيمسون"، إليزابيث ثريلكيلد، "نظرًا إلى هذه المخاطر، وضيق الوقت المتاح للتحضير، والطابع البارز لهذه المحادثات، تمثل هذه الزيارة تحديًا كبيرًا من منظور أمني، وتدل على الأهمية التي تولّيها هذه الإدارة للمفاوضات".
وقال المحلل الأمني، زاهد حسين، إن التحدي الذي يواجه باكستان لا يقتصر على حماية المكان فحسب، بل يمتد إلى منع القوى الخارجية من السيطرة على الدبلوماسية.
وأضاف أن "هناك مؤشرات على أن إسرائيل قبلت وقف إطلاق النار بشروط إلى حد ما"، مضيفًا أن أي تصعيد جديد قد يضيق بسرعة المجال أمام إجراء مفاوضات جادة.
دور فعّال في المفاوضات
قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم الأربعاء عن وقف إطلاق النار لأسبوعين، بدت جهود الوساطة لإنهاء الصراع وكأنها قد انهارت.
لكنّ جهودًا حثيثة بذلتها القيادة العسكرية والمدنية الباكستانية في اللحظات الأخيرة، أعاد إيران إلى طاولة المفاوضات.
وقال بخاري، إن دور باكستان تطوّر من مجرد نقل الرسائل إلى الاضطلاع بدور فعّال في عملية التفاوض.
وأضاف أن "إسلام أباد بمقدورها التأثير على وجهات نظر الجانبين".
وتابع "اختار البيت الأبيض بقيادة ترامب، منير وشهباز وغيرهما لأنّ الأميركيين يدركون أن الباكستانيين بوسعهم التأثير فعليًا على الإيرانيين، وليس فقط التفاوض معهم.. ومع تطوّر العملية، يكتسب الباكستانيون أيضًا ثقة الأميركيين بشكل أكبر، ما يُفسح المجال لإسلام أباد للتأثير على وجهة النظر الأميركية أيضًا".
ورجّح محللون أن تُثير إسلام أباد يوم السبت شكاوى دول خليجية متحالفة مع الولايات المتحدة، كانت تعرضت لهجمات إيرانية خلال الصراع.
وستسعى باكستان أيضًا إلى الضغط على الولايات المتحدة لتوسيع وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، بعدما طلب رئيس الوزراء اللبناني دعم شريف لوقف فوري للهجمات الإسرائيلية. فيما قالت إيران، إنها كانت على وشك الرد على الهجمات التي استهدفت لبنان، الأربعاء، قبل أن تتدخل باكستان لتحول دون ذلك.
وبالرغم من تمتّع باكستان في الآونة الحالية بالمصداقية الكافية للتوسط، وربما إبقاء عملية الوساطة قائمة، إلّا أنها لا تمتلك فيما يبدو القوة الكافية لضمان النتيجة التي يترقّبها العالم، وهي إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.
وقالت ثريلكيلد إن "ما ينقصها هو نفوذ حقيقي لإجبار الولايات المتحدة وإيران على تقديم تنازلات، إذا لم يُبديا استعدادًا للتوصل إلى اتفاق".
وأضافت "يظل هذا عائقًا جوهريًا أمام الدور الذي يمكن لباكستان الاضطلاع به، وهو أمر يتعيّن عليها التعامل معه بحذر".