مؤثّرات يوثّقن حياة العيش بمفردهن.. عزلة مختارة أم وصمة اجتماعية؟

مؤثّرات يوثّقن حياة العيش بمفردهن.. عزلة مختارة أم وصمة اجتماعية؟

2026 Aug,06

موجة متنامية من صانعات المحتوى على الإنترنت بدأت توثّق حياتهن في العيش بمفردهن، حاملات رسالة مختلفة عن السردية المعتادة في وسائل التواصل الاجتماعي. الظاهرة انتشرت بسرعة على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، جاذبة ملايين المشاهدات ومحفزة نقاشاً واسعاً حول الخصوصية والاستقلالية والصحة النفسية.

لانا إيسا، مديرة مبيعات برمجيات تقيم في تورنتو بكندا، من أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه. فيديوهاتها التي توثّق أمسياتها مع نفسها، من الطهي إلى القراءة على ضفة بحيرة، حصدت أكثر من 7 ملايين مشاهدة على تيك توك وجذبت حوالي 400 ألف متابع. لم يكن الأمر مجرد محتوى للعرض، بل انعكاس لواقع عاشته سنوات، حيث عانت من تنقل مدرسي متكرر وعزلة الجائحة وفشل علاقة عاطفية، ما تركها تعيش بلا دائرة أصدقاء.

عندما بدأت مشاركة تجربتها علناً، فاجأها الرد الجماعي. ارتفع عدد متابعيها من نحو 2,000 إلى أكثر من 175,000 في غضون ثمانية أشهر. التعليقات امتلأت بقصص مماثلة من أشخاص وجدوا في محتواها انعكاساً لوحدتهم، لكن ليس بصفة نقص بل بصفة خيار يستحق الاحتفاء به.

صانعات محتوى أخريات اتبعن المسار ذاته. ديفون نوهرينغ من أريزونا، التي تصف نفسها بالانطوائية، وجدت في نشر فيديوهات روتينها اليومي بمفردها طريقة لإعادة تعريف استقلاليتها. بينما إس جي هودلي من المملكة المتحدة، بعد انفصالها عن شريك حياتها عقب علاقة مسيئة، بدأت توثّق إعادة بناء حياتها من جديد في مكان جديد بلا معارف.

لكن الظاهرة لم تخلُ من الانتقادات. وُصفت هؤلاء النساء بـ"مؤثّرات الوحدة" من قبل منتقدين اعتبروا محتواهن تصويراً رومانسياً للعزلة، وبدافع تشجيع "استسلام مريح" يبعد عن الروابط الاجتماعية. إلا أن صانعات المحتوى أنفسهن يؤكدن أنهن لا يوصفن أنفسهن بالوحيدات، وأن الهدف ليس تمجيد العزلة بل تقبّل الخيارات الحياتية المختلفة.

من جهة أخرى، حذّرت الباحثة في علم الأوبئة البروفيسور ميلودي دينغ من جامعة سيدني من الخلط بين الوحدة المختارة والعزلة الضارة. رغم أن المؤثّرين قادرون على تقديم العيش بمفردهم بصورة "جذابة"، فإن البشر كائنات اجتماعية تحتاج إلى روابط حقيقية، والانزلاق إلى عزلة شديدة قد يضر بالصحة النفسية والجسدية.

في المقابل، ترى الدكتورة آن أولدورف-هيرش من جامعة كونيتيكت أن جاذبية هذا المحتوى تعكس ردة فعل ضد سيطرة ثقافة المؤثّرين المبالغ فيها. الناس يبحثون عن أشخاص يبدون أكثر أصالة، يعيشون حياتهم الحقيقية لا الموثوقة والمثالية. هذا المحتوى يوفر نوعاً من "التوازن" والطمأنينة لمن يجدون انعكاساً لأنفسهم فيه.

الحقيقة أن صانعات هذا المحتوى لا يطمحن للبقاء بلا أصدقاء إلى الأبد. لانا تقول إن الدعم الذي تلقته منحها "الدافع" للبدء في التفكير بتكوين صداقات جديدة. نوهرينغ تأمل في تنظيم لقاء واقعي مع متابعيها. وهودلي تتحمس لمستقبل قد تجد فيه "مجموعة صغيرة من الصديقات".

في نهاية الأمر، الرسالة الأساسية التي ينقلنها محتوى هؤلاء النساء، كما تقول هودلي، تتمحور حول فكرة بسيطة: "ابحث عن طريقك الخاص. ليس من الضروري أن يكون هناك قالب واحد يناسب الجميع، كما يُفرض علينا باستمرار".

أحدث الأخبار