من ضحايا الإسلاموفوبيا في أمريكا: الأكاديمي الهندي المسلم بدر خان سوري ..المستشار د. أحمد يوسف

من ضحايا الإسلاموفوبيا في أمريكا: الأكاديمي الهندي المسلم بدر خان سوري ..المستشار د. أحمد يوسف

تكشف قضية الأكاديمي الهندي المسلم الدكتور بدر خان سوري وجهًا مقلقًا من وجوه الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، حين تتقاطع الأحكام المسبقة ضد المسلمين مع التضييق على حرية التعبير، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الشعب الفلسطيني وانتقاد السياسات الإسرائيلية. فالرجل لم يُعتقل بسبب جريمة ارتكبها، ولم يُقدَّم إلى المحاكمة بتهمة جنائية، وإنما وجد نفسه في قبضة سلطات الهجرة، محاصرًا بادعاءات سياسية وأمنية ارتبطت بآرائه وبأصول زوجته الفلسطينية.
جاء بدر خان سوري إلى الولايات المتحدة عام 2022 باحثًا أكاديميًا، يحمل أحلامه العلمية وتطلعاته إلى حياة آمنة لأسرته. وهو هندي الجنسية، حصل عام 2020 على درجة الدكتوراه في دراسات السلام والصراع من مركز نيلسون مانديلا بجامعة «جاميا ميليا إسلاميا» في نيودلهي. وتناولت أطروحته قضايا الديمقراطية الانتقالية وبناء الدولة في المجتمعات المنقسمة، مع التركيز على تجربتي أفغانستان والعراق. ثم التحق بجامعة جورجتاون باحثًا لما بعد الدكتوراه في مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي–المسيحي، مهتمًا بقضايا الدين والصراع وبناء السلام.
لكن مسيرته الأكاديمية انقلبت فجأة مساء 17 مارس 2025، عندما اعتقله عناصر ملثمون من سلطات الهجرة بالقرب من منزله في ولاية فرجينيا، أمام صدمة زوجته وأطفاله. كانت إقامته قانونية، ولم يكن مطلوبًا في أية قضية جنائية، كما لم يثبت تورطه في أي عمل عنيف. ومع ذلك، أُلغيت تأشيرته، ونُقل مكبلًا بين مراكز احتجاز في ولايات مختلفة، حتى انتهى به المطاف في مركز احتجاز بولاية تكساس، بعيدًا عن أسرته ومحاميه.
ادعت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن سوري روّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي لما وصفته بـ«دعاية حماس ومعاداة السامية»، وأن له صلات غير مباشرة بشخصيات من الحركة عبر عائلة زوجته الفلسطينية الأمريكية. غير أن محاميه نفوا هذه المزاعم، مؤكدين أن منشوراته لم تتجاوز التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، وانتقاد سقوط الضحايا المدنيين في غزة، والمطالبة باحترام القانون الدولي. كما أعلنت جامعة جورجتاون أنها لا تعلم بانخراطه في أي نشاط غير قانوني، وأنه دخل الولايات المتحدة بصورة مشروعة لمواصلة أبحاثه الأكاديمية.
كانت تجربته في الاعتقال قاسية ومهينة؛ فقد تحدث بعد الإفراج عنه عن تكبيله من اليدين والقدمين والخصر، وعن نقله كما لو كان مجرمًا بالغ الخطورة، فضلًا عن حرمانه أحيانًا من أبسط شروط الحياة الكريمة. واختصر ما تعرض له بعبارة مؤلمة، قائلًا إنهم عاملوه كما لو كان «إنسانًا دون البشر». ومع ذلك، أكد أنه لا يندم على دفاعه عن فلسطين، ولا يرى في التضامن مع شعب يتعرض للقتل والتهجير جريمة تستوجب الاعتقال أو الترحيل.
وفي 14 مايو 2025، أمرت القاضية الفيدرالية باتريشيا توليفر جايلز بالإفراج عنه، بعدما رأت أن قضيته تثير تساؤلات دستورية جدية، وأن اعتقاله قد يكون إجراءً انتقاميًا بسبب خطاب سياسي يحميه التعديل الأول من الدستور الأمريكي. وأكدت المحكمة أن ضمانات حرية التعبير لا تقتصر على المواطنين الأمريكيين، بل تشمل كذلك غير المواطنين الموجودين داخل الولايات المتحدة. وعاد سوري إلى زوجته وأطفاله بعد نحو شهرين من الاحتجاز، إلا أن معركته القانونية ضد الترحيل ظلت مستمرة.
وفي 23 يوليو 2026، رفضت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الرابعة، بأغلبية قاضيين مقابل قاضٍ واحد، محاولة إدارة الرئيس دونالد ترامب إعادة اعتقاله، وأبقت على حريته في أثناء استمرار الإجراءات القضائية. وميّزت المحكمة بين حق الحكومة في إدارة ملفات الهجرة وبين استخدام الاحتجاز لمعاقبة شخص بسبب آرائه السياسية. وقد مثّل القرار انتصارًا مهمًا لاستقلال القضاء ولحق المقيمين في التعبير، لكنه لم يُنهِ إجراءات الترحيل التي بقيت منظورة أمام محاكم الهجرة.
واليوم، 18 سبتمبر 2026، تعود قضية بدر خان سوري إلى واجهة المحاكم من جديد، مع تواصل جلسات محاكمته أمام محكمة الهجرة، التي بدأت في الخامس عشر من الشهر نفسه، لتحديد ما إذا كان سيُسمح له بالبقاء في الولايات المتحدة أم سيواجه قرار الترحيل. وقد وقف سوري أمام المحكمة مدافعًا عن نفسه وعن مسيرته العلمية ومواقفه الإنسانية، وواصفًا الحجج التي قدمتها إدارة ترامب لتبرير ترحيله بأنها سطحية وزائفة ولا تستند إلى حقائق أو أدلة قانونية مقنعة. وهكذا، وبرغم انتصاره في معركة الإفراج عنه ومنع إعادة اعتقاله، فإنه لا يزال يخوض معركة أخرى للدفاع عن حقه في البقاء مع زوجته وأطفاله ومواصلة عمله الأكاديمي.
إن قضية بدر خان سوري ليست حادثة فردية معزولة، بل تأتي ضمن مناخ سياسي شهد استهداف عدد من الطلاب والباحثين المسلمين والأجانب بسبب مواقفهم المؤيدة لفلسطين. وهي تكشف كيف يمكن توظيف تهمتي «الإرهاب» و«معاداة السامية» لتشويه كل صوت ينتقد إسرائيل، وكيف يتحول الانتماء الإسلامي أو الارتباط العائلي بفلسطين إلى قرينة اشتباه، حتى لو لم يرتكب الإنسان جرمًا أو يدعُ إلى العنف.
لقد جاء سوري إلى أمريكا باحثًا في السلام، فإذا به يصبح ضحية لسياسة تخلط بين البحث الأكاديمي والتحريض، وبين التضامن الإنساني والتطرف. وما بُنيت عليه قضيته، وفق ما عرضه فريق الدفاع، ليس سوى ادعاءات وتلفيقات مرتبطة بمناخ الإسلاموفوبيا في «أمريكا ترامب»، حيث تُستدعى المخاوف الأمنية لتبرير معاقبة المخالفين سياسيًا والتضييق على الأصوات المتضامنة مع فلسطين.
وستظل قضية بدر خان سوري اختبارًا حقيقيًا للديمقراطية الأمريكية: فإما أن تنتصر حرية التعبير وسيادة القانون، وإما أن يصبح الخوف من المسلم والمؤيد لفلسطين أقوى من المبادئ التي طالما تباهت بها الولايات المتحدة. واليوم، بينما يقف سوري أمام المحكمة من جديد، يتحول الظلم الذي تعرض له إلى حكاية تُروى، وشهادة على زمن أصبح فيه الدفاع عن الضحية سببًا كافيًا لتحويل صاحب الكلمة إلى متهم.

أحدث الأخبار