غزة .. كل شيء مدعاة للموت..! أكرم عطا الله

غزة .. كل شيء مدعاة للموت..! أكرم عطا الله

على عتبات مدينة فاض فيها حزن اليابسة على البحر، تصاب الأقلام بسكتة الكتابة. فماذا يمكن أن يقال تعليقاً أو تحليلاً أو تصويراً لطفل تحت ركامها يقول: «عمو أنا عايش»، قبل أن يذوي في عتمة القلوب تاركاً ما يكفي من الوجع الذي عشش للأبد في هذه المنطقة التي لم تعرف سوى الحزن، الذي قرر أن يصبح صديقها الدائم يذكرها كل يوم بقَدَرها.
أي موت هذا الذي يصحو كل صباح في الشوارع والساحات والميادين والبيوت والخيام، حاملاً ما يكفي من معداته يتربص ببقايا حياة تحملها براءة لم تبدأ عمرها بعد، هكذا بكل بساطة يموت أطفالنا بلا سبب سوى أنهم فلسطينيون شاء قدرهم أن يولدوا في هذه المنطقة التي قالت العرافة يوماً: إنها ستبقى ملعونة، ولكن البؤس أكبر من كل اللعنات والدموع باتت الحي الوحيد في منطقة الموت.
كل شيء مدعاة للموت، يموت الناس في الخيام ويموتون من الحشرات والقوارض والرصاص والجوع والحر والبرد، ومن كسر القلوب والخواطر. تموت غزة في الشوارع، وفي البنايات التي فقدت صرير أبوابها. ونحن نموت من القهر، فأي زمن هذا الذي نعيش هكذا بكل بساطة اختاروا موتهم بلا ندم على شيء قالوا لهم: «لا تسكنوا البنايات التي انحنت من شدة الضرب فستسقط». رد الضحايا: «اتركونا نمت، فالموت سيأتينا في الخيام مع كل العذاب الذي يسبق هناك، فعلى الأقل هنا موت بلا مقدمات موجعة «.. يا إلهي حين تعرف أنك ستموت في المكان وتختاره على الحياة، فأي قلب يبقى قادراً على الحياة وأي عقل يمكنه كتابة سطر عن أنين طفل قبل أن ينطفئ.
في منطقة كتب عليها ما لم يكتب على الذين من قبلها تنام الناس على مأساة وتصحو على فاجعة، فالذاكرة تسمّرت على الباكيات من الثاكلات وهن يحتضن جثامين الأحبة قبل الوداع الأخير، وعلى النواح الذي لم يتوقف منذ أن ملأت سماء غزة غربان الإبادة لتفتح موتاً من كل الاتجاهات. فالبحر موت والجو موت، والرمل ملغم، يخرج الموت من بين الأنقاض ومن كل شيء. هكذا أريد لغزة ما أعاد تأكيده يسرائيل كاتس بأنه لا مشروع سوى الهجرة وهو ما يتطلب نشر الموت بكل الوسائل دون توقف. وقد كان انهيار البناية التي يوجد ثلاثة آلاف بناية مشابهة لها واحداً من ممكنات الموت الكبيرة في غزة.
في غزة لم يعد الناس يأبهون بالحياة لأنها منذ سنوات أصبحت رفيقة الموت حد التطابق. فكلاهما متشابه في الملامح والوجع، لكن الموت أرحم قليلاً من حياة تلسع الأجساد وتضرب العظام وتوجع القلب وتخفي ملامح الرجال والنساء كأنهم عائدون للتوّ من معارك الغبار والريح بلا انتصار، في مكان شاء قدره أن يخضع لتجارب الهواة في السياسة ومبتدئيها لنحصد كل هذا الموت والخراب.
القصة مع إسرائيل طويلة وأليمة، وستبقى محفورة في التاريخ، ولن تطمسها كل القرارات الدولية ولا عدالتها المتأخرة والتي لم تأت بعد. وستبقى الذاكرة الفلسطينية مفتوحة على الحساب تكتب طويلاً أن هناك دولة قامت بصب كل أنواع الموت والعذاب على رؤوسهم، قتلت أبناءهم وهدمت بيوتهم ودمرت مدنهم وحرقت أحياءهم وشوارعهم، فالتاريخ لن يحميها من غضب انزرع عميقاً في الصدور.
ولكن ماذا عنا نحن؟ ماذا عن تنظيم الهواة الذي أخذ غزة حقل تجارب لمجموعة اعتقادات ساذجة لا ترقى لأن تكون مادة للسياسة ولا للحرب ولا للصراعات ولا للإرادات؟ كيف أنتجت وهي تمارس السياسة والحرب بهذه الخفة هزيمة لنفسها ولشعبها ولقضيتها ولأمتها ولمحورها الذي يدفع ثمن أخذ تلك الخفة على محمل الجد، دون أن يتوقف أمام تفاصيل كانت شديدة الوضوح لمن أراد أن يبني سياسات أو يخوض معاركه، كانت كافية لقراءة لمن أراد أن يقرأ؟
وماذا بعد؟ أن نلعن العالم ماذا يعني؟ ولنلعن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الفاشلة وأوروبا العاجزة وحالة العرب والمسلمين الكسيحة، فماذا عن الفلسطينيين الذين استدعوا كل هذا الخراب؟ ماذا عن حركة «حماس» التي لم تعد تملك كما كل الغزيين سوى البكاء؟ فكيف ستخرج غزة من هذا؟ وماذا لو استمر طويلاً كطريق وحيد للتهجير؟ فإسرائيل لا تريد لـ»حماس» أن تسلم الحكم والسلاح وليس هناك وضوح أكثر من ذلك. فما العمل حين تصبح المعادلة مباشرة بلا مناورة.. ما تبقى من حكم وما تبقى من سلاح لـ»حماس» أداة لاستكمال التعذيب للتهجير. فماذا نفعل؟
بعد هذه الحرب لم يعد يهم الغزيين كل ما يحدث في العالم، بقي العالم أم سقط؛ لأن غزة بوجعها محور كونهم الذي لا يتوقف عن إهدائهم الموت اليومي مستنسخاً ما يكفي من أنواعه. فبئس العالم أمام طفل يحاصره الموت من كل الجهات دون أن يتدخل هذا العالم ومعه كل السياسيين الذين أودوا به إلى تلك النهايات المفزعة... أن تتحول بناية كاملة إلى تابوت حجري جماعي، فأي عقل يمكن أن يصمد أمام هذا؟ يا إلهي ما الذي حدث لنا؟ وكيف؟

أحدث الأخبار