موسكو/سما- افتتح متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة معرضًا مخصصًا للفن البوذي الروسي، يشتمل على أكثر من 700 عمل فني نادر، ضمن فعاليات عام وحدة شعوب روسيا 2026 الذي أعلنه الرئيس الروسي. يحمل المعرض عنوان "عربة الماس: الفن البوذي في روسيا"، ويُعتبر بحسب القائمين عليه أول عمل بهذا الحجم في تاريخ روسيا يُكرَّس بالكامل لهذا الاتجاه الفني والروحي.
جمع المعرض مقتنيات من سبع مؤسسات متحفية روسية: متحف بوشكين ومتحف الدولة للشرق والمتحف الوطني لجمهورية بورياتيا ومتحف ألدان-مادير الوطني لجمهورية توفا ومتحف بالموف الوطني لجمهورية كالميكيا ومتحف أستراخان الحكومي الموحد ومتحف كياختا للتاريخ المحلي. تتنوع القطع المعروضة بين منحوتات وتماثيل برونزية وتمائم ونصوص ولوحات مرسومة على لفائف قماشية يُطلق عليها اسم "ثانكا".
يتصدر قائمة المعروضات أطلس الطب التبتي الأصلي الكاملة الوحيدة المتبقية في العالم، والمحفوظة في المتحف الوطني لجمهورية بورياتيا. يعود الأطلس إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتستند الرسالة الطبية الأصلية التي يستند إليها إلى أعمال جُمعت في القرن الثاني عشر، قبل أن تُضاف إليها شروح مفصّلة وجداول ورسوم توضيحية في القرن السابع عشر. تتضمن صفحاته رسوما دقيقة توضح بنية جسم الإنسان وأسباب الأمراض إلى جانب الأعشاب الطبية والأدوات الجراحية وتقنيات العلاج المختلفة، ما يجعله ليس فقط مصدرًا طبيًا بل تاريخيًا وفنيًا ذا قيمة استثنائية.
يضم المعرض أيضًا لوحة "ثانكا" بعنوان "عجلة السامسارا" التي تصور دورة التناسخ وسبل التحرر منها، ومجموعة من التماثيل البرونزية التي تروي قصة إنقاذ فريدة. جُلبت هذه التماثيل خطأ إلى مصنع للمعادن في مدينة سوخوي لوغ بجبال الأورال في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث كانت موجهة للصهر. عندما علم سيرغي ميركوروف، مدير متحف بوشكين آنذاك، بذلك أوفد فسيفولود بافلوف رئيس القسم إلى المصنع، فتمكّن من إنقاذ نحو 230 تمثالًا برونزيًا أضيفت إلى مقتنيات المتحف عام 1944 وبقيت محفوظة في مخازنه لسنوات طويلة قبل عرضها للجمهور الآن.
نقل المتحف الوطني لبورياتيا أيضًا منحوتات مذهّبة من إبداع الفنان المنغولي زانابازار، وتماثيل خشبية للنحات سانجي-تسيبيك تسيبيكوف، مؤسس مدرسة بورياتيا للنحت البوذي. بحسب نونا ألفونسو، نائبة رئيس قسم الشرق الأدنى والأوسط وجنوب ووسط آسيا في متحف الدولة للشرق، نجح زانابازار في تجسيد "الإنسان المثالي" في صور إلهية بدقة وكفاءة لم يُضاهِها أحد تقريبًا ضمن التراث الفني البوذي، وبلغت دقة تذهيب أعماله مستويات استثنائية رغم وجود مدرسة كاملة من المقلدين والأتباع.
يشير اسم المعرض "عربة الماس" إلى مصطلح "فاجرايانا"، وهو اتجاه بوذي نشأ في منطقة الهيمالايا كمنهج تعليمي متكامل. يرمز الماس فيه إلى صفة الدرب الروحي المفضي إلى التنوير، ويواصل هذا الاتجاه تعاليم "الماهايانا"، الفرع الرئيسي للبوذية.
ارتبط انتشار البوذية في الأراضي الروسية بهجرات الشعوب الرحّل. وصلت المدرسة التبتية، المنتشرة أساسًا في منغوليا، مع الكالميك الذين هاجروا إلى سهوب أستراخان وكانوا بوذيين قبل هجرتهم. البوريات، الذين استقروا في منطقة ترانسبايكال على حدود منغوليا، تلقوا تعاليمهم في البداية من معلمين منغوليين قبل أن يبدأوا بالدراسة المباشرة في منغوليا والتبت. أُسس أول دير بوذي (داتسان) في بورياتيا في منتصف القرن الثامن عشر، بداية في خيام يورت شبه بدوية ثم في معبد دائم قرب مدينة كياختا عُرف باسم معبد تسونغول داتسان.
أثّرت الظروف التاريخية ونمط الحياة البدوي على حجم ما تبقى من التراث البوذي المادي في الجمهوريات الروسية. كالميكيا وتوفا لم يتبقَّ من بوذيتهما الأصلية الكثير، بينما حافظت بورياتيا على عدد أكبر من الآثار بفضل جهود العاملين في المتاحف والمواطنين، حيث لم تنقطع فيها تقاليد البوذية وشعائرها. غير أن كالميكيا وتوفا شهدتا موجة اهتمام قوية بالبوذية في العقود الأخيرة، تجسدت في بناء معبد بوذا الذهبي في إيليستا وافتتاح دير "ثوبتين شيدروب لينغ"، الدير البوذي الرئيسي لجمهورية توفا في كيزيل، الذي يضم منحوتات للفنان داشي نامداكوف.
لم يتسنَّ نقل بعض القطع النادرة جدًا إلى المعرض، بينها أيقونة "تارا الخضراء"، جوهرة الفن الكالميكي، وهي القطعة الوحيدة المتبقية من نوعها. فُقد الكثير من الموروث البوذي خلال هجرات الشعوب البدوية، وجُمعت مقتنيات معبد إيليستا الجديد "قطعة قطعة" من مصادر متفرقة، ما جعل الأيقونة كنزًا يُصان بعناية فائقة في مكان آمن.
طوّر القائمون على المعرض منصة تعليمية افتراضية بعنوان "الحياة اليومية للبوذات"، تساعد الزوار على فهم رمزية الإيماءات الطقسية وتاريخ الحركات البوذية. بحسب إيليا دورونتشينكوف، نائب مدير متحف بوشكين للشؤون العلمية، صُمم المعرض "كبوابة تفتح أبوابًا على فضاء الحكمة القديمة"، ويجمع بين عنصر مرئي في قاعات المتحف وآخر افتراضي عبر موقع إلكتروني تعليمي يكمّله.
تربط البوذية مصير الإنسان وحالته الداخلية بأفعاله وطريقة تفكيره، وتستبعد فلسفتها الأساسية إلقاء اللوم على الظروف الخارجية في مشكلات الفرد الداخلية. تختصر نونا ألفونسو جوهر هذه الفلسفة بقولها: "الإنسان كون مصغّر، لذا فإن الإنسان، بتحسين ذاته، يُحسّن العالم من حوله".
اقرأ أيضًا:
