كسوف شمس في آب 2026.. مختبر علمي لفك أسرار النجم الأقرب

كسوف شمس في آب 2026.. مختبر علمي لفك أسرار النجم الأقرب

2026 Aug,07

لا يُعتبر كسوف الشمس المقرر في 12 أغسطس/آب 2026 حدثاً سماوياً مبهراً وحسب، بل اختباراً علمياً نادراً لفهم آليات أقرب النجوم إلى الأرض. وسيشارك علماء من عدة دول في سباق علمي محموم للاستفادة من دقائق معدودة لجمع قياسات وصور لن تتاح بسهولة في ظروف أخرى.

يمثل كسوف الشمس فرصة استثنائية للباحثين للتحقق من صحة نماذجهم المتعلقة بالمجال المغناطيسي للشمس وهالتها الخارجية والرياح الشمسية المنبعثة منها. خلال هذا الكسوف، سيحجب القمر قرص الشمس بالكامل في عدة مناطق أوروبية، فيما ستشهد دول أخرى الظاهرة على نحو جزئي. يمتد مسار الكسوف الكلي عبر غرينلاند وآيسلندا وشمال إسبانيا وجزء من شمال شرقي البرتغال قبل الوصول إلى جزر البليار.

تشكل إسبانيا الموقع الأوروبي الأبرز لدراسة الظاهرة، حيث يعبر مسار الكسوف عدة مناطق فيها من بينها أوفييدو وبورغوس وتنتهي عند جزيرة مايوركا. سيتمكن العلماء في بعض المواقع الإسبانية من قضاء نحو دقيقة وأربعين ثانية في جمع أكبر قدر ممكن من الصور والقياسات، ثم مقارنتها بالبيانات التي تسجلها الأقمار والمسابير الفضائية.

في ألمانيا وفرنسا، سيكون الكسوف جزئياً. بحسب مؤسسة القبة السماوية في برلين، سيبدأ الكسوف الجزئي في العاصمة الألمانية حول الساعة 19:15 ويصل إلى ذروته قرابة الساعة 20:08، عندما سيغطي القمر نحو 85 بالمئة من قرص الشمس، مع ارتفاع هذه النسبة كلما اتجه المراقب جنوباً وغرباً. نظراً لحدوث الكسوف قبيل غروب الشمس مباشرة، يحتاج الراغبون في مشاهدته إلى موقع مرتفع يوفر رؤية واضحة باتجاه الأفق الغربي.

يركز الباحثون على فهم الآليات الفيزيائية التي تقف خلف نشاط الشمس وتطورها. فالشمس ليست جسماً ثابتاً، بل نجم نشط يطلق باستمرار مواد وجسيمات كهربائية مشحونة قد تنتج عنها أحياناً انفجارات وعواصف هائلة تمتد مئات آلاف الكيلومترات. يتبع النشاط الشمسي دورة تستمر نحو 11 عاماً يتغير فيها عدد البقع الشمسية والانفجارات وقوة المجال المغناطيسي، ما يعني أن كل ظاهرة كسوف توفر فرصة لرصد الشمس في مرحلة مختلفة من دورتها.

تكتسب هذه الدراسات أهمية عملية مباشرة للأرض، فالعواصف الشمسية القوية قد تؤثر بشكل كبير في الأقمار الاصطناعية والاتصالات وأنظمة الملاحة، وفي حالات شديدة قد تطال شبكات الكهرباء العامة.

سيركز علماء الفيزياء الفلكية في هيئة الطاقة الذرية والطاقات البديلة الفرنسية على دراسة الهالة الشمسية، وهي الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي للشمس. كما يأمل الباحثون برصد «الكروموسفير»، وهي طبقة رقيقة تقع فوق سطح الشمس وتحت الهالة الخارجية، تُعتبر مهمة لفهم كيفية انتقال الطاقة والحرارة من سطح الشمس إلى طبقاتها العليا.

تنخفض كثافة الهالة بنحو مليون مرة عن كثافة القرص المرئي للشمس، لكنها تمتد لأكثر من عشرة ملايين كيلومتر وقد تصل حرارتها إلى نحو مليوني درجة مئوية. وهذا يثير أحد أعقد ألغاز الفيزياء الفلكية: كيف تكون الهالة الخارجية أكثر حرارة بمئات المرات من سطح الشمس نفسه؟

في الظروف العادية، يحجب الضوء الشديد الصادر عن قرص الشمس معظم تفاصيل هالتها. أما خلال الكسوف الكلي، فيعمل القمر كقناع طبيعي يحجب القرص المضيء ويتيح للعلماء رؤية المناطق المحيطة به برؤية أوضح. عندما لا يحدث كسوف طبيعي، يستخدم العلماء أجهزة تسمى «كورونوغراف» تعمل على حجب قرص الشمس صناعياً لتصوير هالتها، لكن الكسوف الكلي يسمح للباحثين بالاقتراب بصرياً من حافة الشمس أكثر من معظم هذه الأجهزة، ما يكشف مناطق قريبة من السطح يصعب رصدها في الظروف الطبيعية.

لا تُعد هذه المرة الأولى التي يتحول فيها كسوف الشمس إلى مختبر علمي. ففي 29 مايو/أيار 1919، قاد عالم الفلك البريطاني آرثر إدينغتون بعثة إلى جزيرة برينسيبي قبالة الساحل الإفريقي لرصد كسوف كلي، بالتزامن مع بعثة أخرى في البرازيل. قاس العلماء مواقع نجوم ظهرت قرب الشمس أثناء الكسوف، ولاحظوا أن ضوءها انحرف بفعل جاذبية الشمس كما تنبأت نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين.

تحذر وكالة الفضاء الأوروبية من مخاطر النظر المباشر إلى الشمس خلال الكسوف الجزئي، حتى عندما يكون معظم القرص محجوباً، فالنسبة الصغيرة المتبقية من الضوء كافية لإحداث أضرار خطيرة ودائمة في شبكية العين. لا توفر النظارات الشمسية العادية الحماية المطلوبة، بل يجب استخدام نظارات كسوف معتمدة. كما ينبغي عدم النظر إلى الشمس عبر كاميرا أو منظار أو تلسكوب من دون مرشحات شمسية مخصصة.

أحدث الأخبار