لا يقدّم مصطفى بشارات في كتابه الصعود إلى الصين سردًا رحليًا تقليديًا، بل يكتب تجربة مركّبة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الذاكرة، ويتحوّل فيها الانتقال المكاني إلى أداة لإعادة مساءلة الذات. فالمكان لا يظهر بوصفه معطًى خارجيًا، بل كوسيط إدراكي تُعاد من خلاله صياغة العلاقة بين الإنسان وتاريخه الشخصي والجمعي، فيما يقترب من تصور غاستون باشلار حول "شعرية المكان"، حيث يغدو المكان حاملاً للذاكرة والانفعال لا مجرد إطار للأحداث.
تنكشف هذه البنية في المقاطع التي تتناول "ينتشوان"، حيث لا تُقدَّم المدينة كموضوع للوصف بقدر ما تُستدعى كفضاء مشبع بالذاكرة. هنا لا يتقدّم السرد وفق خطّ زمني متصل، بل عبر شذرات متقطعة تُنتج ما يمكن تسميته بـ"زمن مركّب"، تتجاور فيه الأزمنة بدل أن تتعاقب، فيما يقترب من فهم الذاكرة بوصفها بناءً حيًا يعيد تشكيل الماضي داخل الحاضر، كما يطرح بول ريكور.
ضمن هذا الإطار، تتبلور ثنائية الفضاءين: أرض الجفتلك بما تحمله من دلالات الطفولة والانفتاح، في مقابل ينتشوان بوصفها نموذجًا لمكان مُعاد تشكيله. غير أنّ هذه الثنائية لا تقوم على مقابلة سطحية، بل على اختلاف في نمط العلاقة مع الأرض: بين مكان يُعاش بوصفه امتدادًا طبيعيًا للوجود، وآخر يُعاد إنتاجه عبر تدخل بشري واعٍ ومنظم.
هنا تبرز فكرة "ترميم المكان" كمفهوم مركزي في قراءة تجربة مصطفى بشارات؛ إذ لا يقتصر الأمر على تطوير عمراني، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمجال الذي يسكنه. فالمكان في ينتشوان لا يُترك لعفويته، بل يُعاد إنتاجه ضمن مشروع منظم، وهو ما يمكن مقاربته في ضوء مفهوم "إنتاج المكان" عند هنري لوفيفر، حيث لا يكون المكان معطًى جاهزًا، بل نتيجة لممارسات اجتماعية وسياسية وثقافية. بهذا المعنى، يغدو "الترميم" فعلًا تأسيسيًا يعيد تعريف الأرض بوصفها مجالًا للفعل الإنساني لا مجرد وعاء له.
يتعزز هذا البعد عبر أسلوب الكاتب، الذي يقوم على اقتصاد الصورة؛ إذ يعتمد على عدد محدود من العلامات (الصفصاف، الماء، الضوء، القمر)، لكنه يمنحها كثافة دلالية متراكمة. فالصفصاف، على سبيل المثال، لا يبقى عنصرًا طبيعيًا، بل يتحول إلى علامة وسيطة تربط بين الحزن الكامن في الذاكرة واستمرارية الحضور في المكان، بحيث تغدو الصورة أداة تفكير لا مجرد زخرفة لغوية.
على مستوى الخطاب، يشتغل العمل على ازدواجية الصوت؛ إذ يتداخل صوت الراوي مع صوت ذات ناقدة تراقب فعل الرؤية نفسه، وهو ما يظهر في عبارات مثل "لا تكن مقلدًا". هنا يقترب النص من مساءلة تمثيل الآخر، فيما يستدعي إشكالية النظر التي طرحها إدوارد سعيد، حيث لا تكون الرؤية بريئة، بل محكومة دائمًا بموقع الذات. بهذا، لا يكتفي الكاتب بوصف الصين، بل يعيد التفكير في كيفية النظر إليها.
يتعمق هذا الاشتغال في التوتر بين نموذجين حضريين: ينتشوان الهادئة المنظمة، وشنغهاي التي تمثل تسارع الحداثة. غير أنّ هذا التوتر لا يُبنى على تضاد قيمي، بل على تعددية داخل التجربة الصينية، حيث تتجاور أنماط مختلفة من تنظيم المكان والزمن.
لكن ما يتجاوز الوصف الجغرافي هو البعد التاريخي الضمني؛ فالصين هنا ليست فقط فضاءً حديثًا، بل نتاج مسار طويل من التحولات القاسية، يمكن تكثيفها في ثلاثية حاضرة في الوعي الجمعي: الفوضى، التقسيم، الجوع. هذه الثلاثية لا تُستدعى بوصفها خلفية منتهية، بل كبنية كامنة تفسّر شكل الحاضر، حيث يصبح التنظيم الصارم للمكان استجابة تاريخية لمحاولات تجاوز التفكك والعوز. وبهذا المعنى، لا يظهر "ترميم المكان" كخيار عمراني أو جمالي فحسب، بل كفعل نابع من ذاكرة جمعية سعت إلى تحويل الهشاشة إلى استقرار، والعشوائية إلى نظام.
وفي هذا السياق، تكتسب صورة الصين في الخيال العربي بُعدًا إضافيًا من خلال المسلسلات الصينية المدبلجة، التي لم تكن مجرد مادة ترفيهية، بل شكلًا من أشكال السرد الشعبي الذي نقل تجربة أمة عرفت المجاعة والاقتلاع، ثم أعادت بناء ذاتها عبر العمل والتخطيط. وفي امتداد هذا المعنى، يمكن فهم العبارة البسيطة "هل أنت جائع يا أخي؟" بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن ذاكرة تاريخية، تحوّل فيها الجوع من تجربة قاسية إلى أساس أخلاقي يوجّه السياسات والرؤى.
كما يتقاطع هذا المسار مع التحولات التي شهدتها الصين الحديثة منذ قيامها على يد ماو تسي تونغ، وصولًا إلى سياسات أكثر معاصرة تسعى إلى إعادة توزيع التنمية والحد من التفاوت. وفي هذا الإطار، تبرز فكرة مفادها أنّ الدولة لا تترك أطرافها تموت وحدها، بل تعمل على دمجها ضمن مشروع وطني شامل، بحيث يصبح "ترميم المكان" فعلًا سياسيًا بقدر ما هو عمراني، يهدف إلى حماية الإنسان والأرض معًا.
في هذا السياق، يفتح العمل أفقًا تأويليًا يتجاوز ذاته، خصوصًا عند قراءته من منظور فلسطيني. إذ يتحول مفهوم "ترميم المكان" إلى أداة نقدية تطرح سؤالًا ضمنيًا حول أنماط العلاقة مع الأرض: هل يُنظر إلى المكان بوصفه معطًى ثابتًا، أم كمجال قابل لإعادة التشكيل؟ ولماذا لا يتحول التهديد إلى دافع لإعادة بناء المكان وتكثيف الحضور الإنساني فيه؟ غير أنّ هذه المقارنة، رغم طاقتها التحريضية، تظل محكومة بخصوصية السياقات التاريخية والسياسية، ما يفرض التعامل معها بوصفها أفقًا للتفكير لا نموذجًا قابلًا للاستنساخ.
في المحصلة، لا يندرج الصعود إلى الصين ضمن أدب الرحلة التقليدي، بل ضمن كتابة تأملية تعيد تعريف العلاقة بين الذات والمكان عبر وسيط الذاكرة. فالصين هنا ليست موضوعًا للمعرفة بقدر ما هي أداة لإعادة اكتشاف الذات، حيث تتحول الرحلة إلى شكل من أشكال العودة، ويغدو المكان الآخر مرآة تعكس ما لم يُفكَّر فيه بعد.
