تمكّن باحثون من إعادة بناء منظر صوتي كامل للعصر الجوراسي من خلال دراسة الأجنحة المتحجرة لحشرات قديمة، حيث كشفوا أن غابات تلك الحقبة البعيدة كانت تعج بسيمفونية معقدة من الأصوات والنداءات المتنوعة، بعيدة كل البعد عن الصمت الذي قد يتخيله الإنسان.
وبحسب الدراسة التي أشرف عليها الدكتور فرناندو مونتاليغري-زاباتا، عالم الحشرات من جامعة لينكولن البريطانية، فإن فريقه قام بفحص 20 حفرية من تسعة أنواع مختلفة من الحشرات القديمة التي تعتبر أسلافًا للجنادب الحديثة، وجميعها عثر عليها في منطقة منغوليا الداخلية بالصين. وقال مونتاليغري-زاباتا في تصريح لوسائل إعلام: "تقدم نتائجنا لمحة عن كيف كان يمكن أن تبدو الغابات الجوراسية. بعيدا عن الصمت، كانت هذه البيئات القديمة مليئة بتنوع غني من الأصوات".
واعتمد الباحثون على تقنية تحليل تفصيلي للأجنحة المتحجرة، حيث تحتفظ هذه الأجنحة بدقة ملحوظة بمعالمها الأصلية، وتتضمن صفوفًا من النتوءات الصغيرة التي تشبه أسنان المشط. وعندما تتحرك أجنحة الحشرة بشكل متقاطع فوق هذه النتوءات، ينتج عن ذلك صوت يماثل ما يحدث عند العزف على آلة موسيقية صغيرة. وقد استخدم الفريق تقنية الليزر لقياس دقيق لاهتزازات أجنحة حشرات معاصرة، ثم قارنوا هذه القياسات بالتفاصيل المحفوظة في الأجنحة المتحجرة.
وأشار الباحثون إلى أن الصوت الذي تصدره كل حشرة يختلف باختلاف المسافات بين النتوءات على جناحيها وشكل الجناح ذاته. وبتطبيق نماذج التعلم الآلي على هذه البيانات ومقارنتها بأنماط الأصوات المعروفة لحشرات حية حالية، تمكن الفريق من إعادة إنتاج الأصوات الجوراسية بدقة مذهلة. وقال مونتاليغري-زاباتا: "سماع جميع النداءات معا كان استثنائيا، هذه الأنواع عاشت جنبا إلى جنب، ولأول مرة يمكننا الاستماع إلى مشهد صوتي ربما ملأ الغابات الجوراسية، مثل جوقة حشرات الليل في الغابات المطيرة اليوم".
واكتشف الباحثون أن الدراسة كشفت عن تنوع مثير في أنماط الأصوات، بدءًا من نداءات تشبه صرير حشرات الليل المألوفة اليوم، وصولًا إلى موجات فوق صوتية لم تكن في متناول السمع البشري. وتطورت بعض الأنواع، مثل Sigmaboilus peregrinus، قدرة على إصدار نداءات فوق صوتية خارج نطاق السمع البشري قبل وقت طويل جدًا من ظهور الخفافيش التي تشتهر بهذه الميزة في العصر الحديث. ويرى الباحثون أن هذا التطور يمثل "سباق تسلح" بيولوجي بين الحشرات والحيوانات المفترسة، حيث طورت الحشرات آليات اتصال متقدمة لتجنب الافتراس.
وأفاد الفريق أن بعض الأصوات المعاد بناؤها تم استخدامها فعليًا في الموسيقى التصويرية لسلسلة "الديناصورات" الوثائقية من إنتاج منصة "نتفليكس"، ما يعكس القيمة العلمية والفنية للبحث. وخلص الباحثون إلى أن العصر الجوراسي لم يكن فقط أكثر ضجيجًا ممّا تخيّل الإنسان حتى الآن، بل أيضًا أكثر تطورًا من الناحية الصوتية والاتصالية، مما يضيف بعدًا جديدًا لفهمنا لتلك الحقبة الزمنية القديمة.
اقرأ أيضًا:
