أطلق فريق دولي من الباحثين المتخصصين في علم الأحياء البحرية تحذيراً شديداً من أن تعطل حركة السفن في مضيق هرمز لفترة طويلة يشكل "تهديداً هائلاً للأمن الحيوي العالمي"، وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة "الغزوات البيولوجية" المتخصصة.
أشار الباحثون إلى أن بقاء ما يقرب من 1500 سفينة متوقفة في مياه الخليج، بالإضافة إلى مئات السفن الأخرى في خليج عُمان، منذ فبراير الماضي، وفّر للكائنات البحرية الدقيقة والطحالب واللافقاريات وقتاً استثنائياً للالتصاق بأهياكل هذه السفن والاستقرار عليها. ويحذر العلماء من أن استئناف الرحلات سيؤدي إلى نقل هذه الكائنات إلى مناطق مختلفة حول العالم، ما قد يسبب "انتشاراً واسع النطاق من الغزو البيولوجي البحري".
يشرح البروفيسور ماريو تامبوري، عالم البيئة البحرية من جامعة ميريلاند الأمريكية والباحث الرئيسي في الدراسة، أن ظاهرة تراكم الكائنات على هياكل السفن تُعرف بـ"التلوث الحيوي"، حيث تلتصق مجموعات واسعة من اللافقاريات والطحالب بالأسطح الصلبة لأنها تقضي حياتها ملتصقة بها. وتبدأ العملية بتشكل "غشاء حيوي" من البكتيريا والكائنات المجهرية، ثم تستقر عليه أبواغ الطحالب ويرقات البرنقيل والديدان وغيرها، وتستمر هذه التجمعات في النمو والانتشار.
تحت ظروف خاصة مثل تلك التي سادت الخليج، حيث بدأت درجات حرارة المياه بالارتفاع مع اقتراب فصل الصيف بعد إغلاق المضيق في نهاية فبراير، تسارعت عملية التكاثر. وأشارت الدراسة إلى أن برنقيلاً معروفاً باسم "البرنقيل النهري" ينتشر عالمياً عبر حركة الشحن البحري ويوجد في مياه الخليج، وقد يُطلق الفرد البالغ منه ما يصل إلى 36 يرقة يومياً عندما تصل درجة حرارة المياه إلى 30 درجة مئوية، ما يعني أن السفينة الواحدة قد تكون أطلقت ملايين اليرقات خلال أشهر توقفها.
يقول تامبوري: "لو أردنا وضع أسوأ سيناريو ممكن لتراكم الكائنات على هياكل السفن وانتشار الأنواع الغازية، لما استطعنا تصور وضع أسوأ من هذا." وأشار إلى أن هذا الموقف "لا مثيل له" في التاريخ الحديث، متذكراً أن إغلاق قناة السويس عام 2021 استمر ستة أيام فقط، بينما أدى انهيار جسر في ميناء بالتيمور بالولايات المتحدة عام 2024 إلى تعطيل عدد قليل من السفن لنحو 11 أسبوعاً.
الخطر الأساسي يكمن في أن الأنواع الغازية قد تنافس الكائنات المحلية على الغذاء والموائل، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى اختفاء أنواع محلية. كما يمكن أن تلحق أضراراً بمصايد الأسماك ومزارع الأحياء المائية، وقد تُسد أنظمة التبريد في محطات توليد الكهرباء. ويحذر العلماء أيضاً من أن هذه الكائنات قد تنقل معها طفيليات ومسببات أمراض، وقد تكون السلالات المتكيفة مع درجات الحرارة المرتفعة في الخليج أكثر قدرة على الانتشار في مناطق أخرى، خاصة مع استمرار ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض.
حدد الباحثون عدداً من الموانئ الأكثر عرضة لوصول الأنواع البحرية الغازية إليها، وتشمل جدة بالسعودية، ومومباي بالهند، وكولومبو بسريلانكا، وسنغافورة، والإسكندرية بمصر، وبيرايوس باليونان، وميناء الجزيرة الخضراء بإسبانيا، وروتردام بهولندا. والموانئ التي تتشابه ظروفها البيئية مع مياه الخليج من حيث درجات الحرارة والملوحة تكون أكثر عرضة لاستقرار هذه الكائنات فيها.
تمتد آثار التلوث الحيوي أيضاً إلى السفن نفسها، فتراكم الكائنات على هياكلها يزيد من مقاومة الماء لحركتها، ما يجعلها أبطأ وأقل كفاءة. وقال تامبوري إن تشكل طبقة ميكروبية وحدها قد يرفع استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 2 و5 في المئة، أما في حالات التلوث الحيوي الكثيف فقد تصل الزيادة إلى حوالي 25 في المئة.
رغم أن هناك طلاءات خاصة مضادة للتلوث الحيوي تحتوي على مواد كيميائية تمنع الكائنات البحرية من الالتصاق بهياكل السفن، إلا أن فاعليتها تنخفض عندما تبقى السفن متوقفة لفترات طويلة، وقد يصبح تراكم الكائنات كثيفاً إلى درجة تتجاوز قدرة هذه الطلاءات على منع نموها.
يرى العلماء أن الحل الأمثل يتمثل في تنظيف السفن المتوقفة قبل مغادرتها الخليج، لكن تنظيف هذا العدد الضخم من السفن بعد تراكم كميات كبيرة من الكائنات يمثل تحدياً بالغ الصعوبة. يمكن استخدام تقنيات متطورة مثل الأنظمة الروبوتية المصممة لجمع الكائنات ومنع تسربها إلى المياه، لكن هذه التقنيات لا تزال حديثة نسبياً ولم تنتشر على نطاق واسع في خدمات تنظيف السفن بالخليج. كما يشدد الخبراء على ضرورة جمع هذه الكائنات والتخلص منها بطريقة آمنة، وتجنب تقشير الطلاءات المضادة للتلوث لأنها تحتوي على مواد سامة وجزيئات بلاستيكية دقيقة.
ينادي العلماء بضرورة التعاون الدولي، وأن تستعد الموانئ التي ستستقبل السفن القادمة من المنطقة لتنظيفها عند وصولها، للحد من خطر انتقال الأنواع البحرية الغازية إلى بيئات جديدة. وقال تامبوري: "نحن شبه متأكدين من أن إعادة فتح المضيق ستؤدي إلى انتقال كائنات غير محلية إلى مناطق جديدة." لكن بعض الأنواع قد تستقر دون أن تُحدث آثاراً ملحوظة، بينما قد تسبب أنواع أخرى أضراراً واضحة.
خلص الفريق الدولي الذي ضم باحثين من الولايات المتحدة والأرجنتين والبرتغال والسعودية ونيوزيلندا وفنلندا وجنوب أفريقيا وكندا وإسرائيل إلى أن تحول الأزمة إلى موجة عالمية واسعة الانتشار من الغزو البيولوجي البحري لم يعد يتوقف أساساً على ما تراكم بالفعل على هياكل السفن، بل على الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع المرحلة المقبلة والخيارات التي سيتخذها لمواجهة هذا التهديد البيئي والاقتصادي.








