الفيدرالي يرفع الفائدة.. هل بدأ سوق الدين الأميركي يختبر قوة الدولار؟

الفيدرالي يرفع الفائدة.. هل بدأ سوق الدين الأميركي يختبر قوة الدولار؟

مدار نيوز \

انتهى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مساء اليوم الأربعاء، بقرار أكثر وضوحاً مما كانت الأسواق تنتظره حيث رفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75%–4.00%، في أول زيادة منذ عام 2023، وبإجماع أعضاء لجنة السوق المفتوحة.

والأهم من الزيادة نفسها أن الفيدرالي أشار، من خلال توقعات أعضائه الجديدة، إلى احتمال رفع إضافي قبل نهاية العام، بحيث يصل متوسط توقع سعر الفائدة إلى نحو 4.1%، ثم يبقى عند هذا المستوى خلال 2027 قبل أن يبدأ الانخفاض لاحقاً.

وفي الوقت نفسه رفع توقعاته للتضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE، إلى 3.7% بنهاية 2026، مقابل هدف طويل الأجل يبلغ 2%، وتوقع نمواً اقتصادياً بنحو 2.3% وبطالة عند 4.1%.


بذلك حسم الفيدرالي، في الوقت الحالي على الأقل، واحداً من السيناريوهين اللذين كانت الأسواق تناقشهما فهو لم يتجه إلى إنقاذ سوق الدين عبر برنامج شراء واسع للسندات طويلة الأجل، بل اختار رفع كلفة المال لمحاربة التضخم، رغم أن عوائد سندات الخزانة الطويلة كانت قد اقتربت من مستويات لم تشهدها منذ نحو عقدين.

فإذا كان الفيدرالي لن يتدخل لخفض عوائد السندات الطويلة، فمن سيشتري كميات متزايدة من الدين الأمريكي الذي تجاوز 40 تريليون دولار والعوائد تلامس 5%؟

واشنطن اختارت محاربة التضخم ولم تلجأ إلى شراء واسع للسندات
قبل الوصول إلى الإجابة، من الضروري تصحيح فكرة جرى تداولها خلال الأيام الماضية حول أن 14 سبتمبر كان موعد انتهاء “تجميد” لشراء الفيدرالي للسندات فهذا الوصف ليس دقيقاً.

ما انتهى في 14 سبتمبر كان جدولاً تشغيلياً شهرياً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك امتد من 14 أغسطس إلى 14 سبتمبر. وخلال تلك الفترة لم ينفذ البنك مشتريات إضافية لإدارة الاحتياطيات Reserve Management Purchases، لكنه نفذ نحو 17 مليار دولار من مشتريات إعادة الاستثمار.


والأكثر أهمية أن الجدول الجديد، الممتد من 15 سبتمبر إلى 14 أكتوبر، ينص أيضاً على عدم تنفيذ مشتريات إضافية لإدارة الاحتياطيات، مع تنفيذ نحو 15.6 مليار دولار فقط من مشتريات إعادة الاستثمار.

وهذه العمليات ليست تيسيراً كمياً QE. بنك نيويورك الفيدرالي يوضح صراحة أن مشتريات إدارة الاحتياطيات تستهدف المحافظة على سيولة كافية داخل النظام المصرفي والسيطرة على سعر الفائدة قصير الأجل، ولا ينبغي الخلط بينها وبين برامج شراء السندات طويلة الأجل التي استخدمها الفيدرالي بعد الأزمة المالية أو جائحة كورونا لدفع العوائد إلى الانخفاض.

أي أن ما حدث بين 14 و16 سبتمبر ليس انتقالاً من “وقف شراء الدين” إلى قرار بشأن استئنافه، وإنما اجتماع نقدي جاء بينما كان سوق السندات نفسه يطالب بعوائد أعلى لتمويل الحكومة الأميركية.

من سيشتري 40 تريليون دولار من الدين؟
تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي 40 تريليون دولار، بينما يقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس CBO عجز الموازنة للسنة المالية 2026 بنحو 1.9 تريليون دولار، ويتوقع ارتفاع الدين الذي يحمله الجمهور من 101% من الناتج المحلي هذا العام إلى 120% بحلول 2036، مع كون ارتفاع مدفوعات الفائدة أحد أهم أسباب اتساع العجز مستقبلاً.

وهنا تصبح الفائدة أهم من رقم الدين نفسه. فالولايات المتحدة لا تسدد 40 تريليون دولار مرة واحدة؛ بل تستبدل باستمرار سندات تستحق بأخرى جديدة وتصدر مزيداً منها لتمويل العجز. لذلك، كلما ارتفعت العوائد التي يطلبها المستثمرون، ارتفعت تدريجياً كلفة إعادة تمويل الدين.

بعد قرار الفيدرالي بقي العائد على سندات الخزانة لعشر سنوات قرب 4.95%، بعد أن تجاوز 5% خلال الأيام السابقة، بينما ارتفع عائد السنتين مع استيعاب السوق احتمال استمرار التشدد النقدي.

ولا توجد قاعدة اقتصادية تقول إن 5% هو مستوى يحدث عنده الانهيار. لكنه مستوى بالغ الأهمية؛ لأن سندات الخزانة الأميركية تمثل السعر المرجعي الذي تُبنى عليه فوائد الرهون العقارية وقروض الشركات وعشرات التريليونات من الأصول حول العالم.


وإذا استمر تمويل الحكومة الأميركية بعوائد قريبة من 5% لفترة طويلة، فإن جزءاً أكبر من إيرادات الدولة سيذهب إلى دفع الفائدة بدلاً من الإنفاق على البرامج والخدمات، فيما ستحتاج الخزانة إلى إصدار مزيد من السندات لتمويل العجز. فتنشأ دائرة حساسة: دين أكبر، ثم فائدة أكبر، ثم عجز أكبر، ثم حاجة إلى إصدار المزيد من الدين.

الفيدرالي لم ينقذ سوق السندات
هذه النقطة أصبحت الآن مؤكدة بعد اجتماع 16 سبتمبر. لم يعلن الفيدرالي برنامج تيسير كمي جديداً، ولم يعلن شراء كميات كبيرة من سندات الخزانة الطويلة لخفض عوائدها.

وكان محللون في سوق السندات قد استبعدوا قبل الاجتماع تدخلاً مباشراً ما لم يظهر اضطراب حقيقي في عمل السوق، لأن شراء الفيدرالي للسندات طويلة الأجل في الوقت الذي يحاول فيه خفض التضخم سيبعث رسالتين متناقضتين متمثلة رفع سعر الفائدة من جهة وضخ سيولة لخفض العوائد من جهة أخرى.

أما وزارة الخزانة نفسها فوسعت عمليات إعادة شراء بعض سنداتها القديمة لتحسين السيولة في السوق، لكن حتى عملية إعادة شراء بلغت نحو ست مليارات دولار كانت صغيرة مقارنة بسوق سندات خزانة يقدر بعشرات التريليونات، ولم تمنع ارتفاع العوائد.

لذلك سيبقى الاختبار خلال الأسابيع المقبلة متعلقاً بقدرة المستثمرين المحليين والأجانب والبنوك والصناديق على استيعاب الإصدارات الجديدة بالأسعار الحالية.

الأميركي يدفع الثمن في المنزل
سوق السندات ليس قصة تخص وول ستريت وحدها فقد بلغت أرصدة الرهون العقارية الأميركية نحو 13.1 تريليون دولار في نهاية الربع الثاني من 2026، وفق بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وفي 10 سبتمبر بلغ متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً 6.76%، مقابل 6.35% قبل عام، وهي أعلى مستوياتها في أكثر من عام.


ولا يعني قرار الفيدرالي أن أقساط عشرات الملايين من أصحاب الرهون الثابتة سترتفع غداً؛ فالقرض ذو الفائدة الثابتة يبقى كما هو. لكن المتضرر المباشر هو من يريد شراء منزل جديد أو إعادة تمويل قرضه أو يحمل قرضاً متغير الفائدة.

والضغط بدأ يظهر بالفعل، إذ انخفضت ثقة شركات بناء المنازل الأميركية في سبتمبر إلى أدنى مستوى خلال عام، مع ارتفاع الفائدة وضعف قدرة المشترين على تحمل الأسعار.

كما يتوقع اقتصاديون استطلعت رويترز آراءهم أن تبقى فوائد الرهن مرتفعة، بمتوسط يقارب 6.60% و6.52% خلال الربعين المقبلين، ما يعني أن أزمة القدرة على شراء منزل لن تختفي سريعاً حتى لو هدأت الأسواق.

وبذلك يصبح لارتفاع عوائد سندات الحكومة نتيجة مفارقة فلحكومة الأميركية تدفع أكثر لكي تقترض، والمواطن الأميركي يدفع أكثر لكي يشتري منزلاً، والشركة تدفع أكثر لكي تمول استثماراتها.

الدولار: المستفيد الأول.. ولكن إلى متى؟
رفع الفائدة يجعل الأصول الأميركية القصيرة الأجل أكثر جاذبية، ولذلك ارتفع الدولار بعد القرار، فيما ارتفعت عوائد السندات القصيرة أيضاً.

إذا استمرت توقعات رفع الفائدة، يمكن أن يحافظ الدولار على قوته لأن المستثمر يحصل على عائد أعلى على الأصول المقومة به.

لكن قوة الدولار الناتجة عن فارق الفائدة شيء، والثقة طويلة الأجل في المالية الأميركية شيء آخر. فإذا اقتنع المستثمر بأن الفيدرالي سينجح في خفض التضخم، فقد تنخفض عوائد السندات الطويلة حتى مع استمرار الفائدة القصيرة مرتفعة.

أما إذا بقي العائد على عشر سنوات فوق 5% أو واصل الصعود بسبب العجز وضخامة الإصدارات، فستكون الرسالة مختلفة فعندها السوق لن يخشى التضخم فقط، وإنما يطالب بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الأميركي لفترات طويلة. وهذه ستكون الإشارة الأخطر التي ينبغي مراقبتها.


الذهب لم يسقط أمام رفع الفائدة
نظرياً، ارتفاع الفائدة والدولار ليس خبراً جيداً للذهب، لأن المعدن لا يمنح حامله فائدة. لكن الذهب أظهر تماسكاً لافتاً يوم القرار. فقد أنهى التعاملات قرب 4,346 دولاراً للأونصة بعد أن كان قد ارتفع خلال الجلسة، رغم رفع الفائدة.

وهذا يعكس أن الذهب لم يعد يتحرك فقط مع سعر الفائدة الأميركية؛ فهناك أيضاً مشتريات البنوك المركزية والطلب الآسيوي والمخاطر الجيوسياسية والبحث عن أصول لا تمثل ديناً على حكومة أخرى.

ومن هنا تكتسب تحركات بعض البنوك المركزية الأوروبية أهميتها، ولكن من دون تحميلها أكثر مما تحتمل. فبنك فرنسا باع 129 طناً من الذهب الذي كان يحتفظ به في نيويورك واشترى كمية مماثلة مطابقة للمعايير الحديثة ومخزنة في باريس، مؤكداً أن إجمالي احتياطيات فرنسا بقي ثابتاً عند 2,437 طناً. وقدم البنك العملية باعتبارها تحديثاً فنياً لمعايير السبائك، لا انسحاباً من الدولار.

فلسطينياً، ستكون الجلسات القليلة المقبلة أول اختبار عملي لأثر قرار الفيدرالي على سعر الدولار مقابل الشيكل؛ فإذا دفع ارتفاع الفائدة المستثمرين نحو الأصول الدولارية واستمر الدولار في الصعود عالمياً، فقد ينعكس ذلك بارتفاع سعره أمام الشيكل أيضاً. لكن هذا المسار ليس آلياً، فالشيكل تحكمه كذلك عوامل إسرائيلية محلية، ويبقى بنك إسرائيل قادراً على التدخل في سوق الصرف إذا رأى أن تحركات العملة تهدد الاستقرار المالي أو الاقتصادي.

أحدث الأخبار