موسكو/سما- تحيي روسيا في الثامن من أغسطس ذكرى يوم الرياضي، مستحضرة إرثا سوفيتيا فريدا حوّل الملاعب والساحات الضخمة إلى منصات فنية متكاملة امتزجت فيها الحركات الرياضية بالموسيقى والرقص والإخراج المسرحي، لتشكل عروضا بصرية استثنائية راقت لملايين المتفرجين.
لم تكن هذه الاستعراضات في الاتحاد السوفيتي مجرد احتفالات باللياقة البدنية، بل تجسدت في مشاهد جماهيرية ضخمة شارك فيها آلاف الأشخاص، تم تصميمها بعناية لتجسيد صورة القوة والانضباط والتناغم الجماعي. وعلى أرض الساحات الواسعة، تحولت الحركات الرياضية إلى لوحات حية ديناميكية تمزج بين فنون الرقص والتشكيلات البصرية، حيث يصبح آلاف المشاركين قطعة واحدة في منظر متكامل يتحرك وفق إيقاع موحد ومنسجم.
يعود تاريخ هذا التقليد إلى السنوات الأولى للدولة السوفيتية، عندما أقيم استعراض رياضي في الساحة الحمراء عام 1919 بحضور الزعيم فلاديمير لينين. وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أصبحت الرياضة والتربية البدنية جزءا أساسيا من المشروع الثقافي للدولة، إذ انتشرت الجمعيات الرياضية الكبرى مثل "دينامو" و"سبارتاك" في مختلف أرجاء البلاد.
بلغت هذه الاستعراضات الجماهيرية ذروة ازدهارها في الثلاثينيات، عندما تحولت عروض عموم الاتحاد إلى مناسبات فخمة تجمع الرياضيين والفنانين من مختلف الجمهوريات السوفيتية. ففي عام 1937، شارك حوالي 45 ألف رياضي في عرض أقيم بالساحة الحمراء، وصفه السفير الأمريكي في موسكو جوزيف ديفيس آنذاك بأنه "من أروع العروض التي شاهدها".
لم تقتصر إعدادات هذه الفعاليات على المدربين الرياضيين وحدهم، إذ عمل فيها مخرجون ومصممو رقصات سوفيتيون بارزون من أمثال فسيفولود مايرهولد وسيرغي رادلوف وكاسيان غوليزوفسكي وإيغور مويسيف. وهكذا اقتربت هذه الاستعراضات من تجربة عروض مسرحية مفتوحة متطورة، تتحول فيها آلاف الأجساد إلى عناصر فنية في تشكيلات حية ترسم على أرض الملعب صورا ورموزا متحركة تجسد فكرة الجماعة والقوة والانتماء الموحد.
امتدت ضخامة هذه العروض إلى أقصاها في استعراض عام 1939، الذي بدأ الإعداد له منذ فصل الشتاء السابق. أُقيمت الفعالية في منطقة معرض عموم الاتحاد الزراعي، المعروفة اليوم باسم مركز معارض عموم روسيا "في دي إن خا"، حيث شيدت مدينة رياضية مؤقتة بُنيت لها مدرجات تسع حوالي 60 ألف متفرج.
في السنة ذاتها، طُرح فيلم "الشباب المتفتح" الذي وثّق واحدا من هذه الاستعراضات الرياضية الضخمة، وسجل كأول فيلم سوفيتي بالألوان. يكشف توظيف السينما في توثيق هذه الفعاليات عن مدى أهميتها الكبيرة في الثقافة البصرية السوفيتية، إذ لم تعد اللحظة موجهة للجمهور المتواجد في المدرجات فحسب، بل أضحت قابلة للتسجيل والعرض بعد ذلك أمام جمهور أوسع وأعم.
وأُعلن رسميا عن يوم الرياضي في الاتحاد السوفيتي في الثامن عشر من يوليو عام 1939، قبل يومين من الاستعراض الكبير المزمع لتلك السنة. لم يكن الهدف من المناسبة اقتصر على الاحتفال بالرياضة والجمال الجسدي والبدني، بل ارتبطت التربية البدنية آنذاك أيضا بفكرة تأهيل الشباب للدفاع عن الوطن، في إطار خطاب رسمي يصور الرياضيين كقوة احتياطية للجيش والأسطول.
احتسبت الاستعراضات الجماعية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أهمية جديدة، إذ أصبحت وسيلة لإظهار قدرة الاتحاد السوفيتي على التعافي والنهوض واستعادة قوته على الصعيد العالمي. لكن حضورها لم يقتصر على الرسائل السياسية والعسكرية، بل استمرت في الجمع بين الرياضة والفن والموسيقى والتشكيلات الجماعية، لتصبح جزءا أساسيا من البرامج الاحتفالية الرسمية للدولة.
انتهى عصر الاستعراضات الجماهيرية الضخمة بصيغتها المعروفة في عام 1954، لتحل محلها أشكال أخرى من الفعاليات الرياضية الجماهيرية، وخصوصا "سبارتاكيات شعوب الاتحاد السوفيتي". غير أن التقليد الفني الذي يجمع بين الرياضة والفن والاستعراض لم يزل بل استمر في الظهور ضمن المناسبات الرسمية والبطولات الكبرى، وظهر بأشكال لافتة للنظر في افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980.
واليوم، رغم استمرار الاحتفاء بيوم الرياضي في روسيا، فإن هذه الاستعراضات لم تعد تحمل الرسائل السياسية والعسكرية ذاتها التي ارتبطت بها في العصر السوفيتي، لكنها بقيت جزءا حيا من الذاكرة الثقافية لتلك المرحلة التاريخية. كانت الرياضة في ذلك الوقت أكثر من مجرد نشاط بدني؛ فقد كانت بمثابة لغة بصرية قوية قادرة على تحويل آلاف الأجساد إلى لوحة واحدة متكاملة تجمع بين القوة والجمال والانضباط والانتماء الجماعي.
