كشفت دراسة نشرتها مجلة "PLOS One" الأسبوع الماضي أن الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت بشكل مفرط يعانون من توتر أعلى وحالات مزاجية أسوأ، مع إهمالهم لجوانب أخرى من حياتهم. الدراسة التي شملت 900 شخص بالغ في ألمانيا ألقت الضوء على مشكلة متنامية قد تستحق تصنيفها كاضطراب نفسي.
أندرياس أولكر، الباحث الرئيسي في الدراسة وطالب دكتوراه بجامعة دويسبورغ-إيسن، أوضح أن التوتر والمزاج السلبي يجعلان الإنترنت "مغريًا بشكلٍ أكبر"، ما يخلق دورة معيبة: الشخص يشعر بالضيق فيلجأ للإنترنت، لكن هذا الاستخدام المفرط يزيد الأمور سوءًا. قدمت سيلكه مولر، الباحثة المساعدة وأحد معدي الدراسة، تحفظًا على النتائج: الدراسة تتبعت البالغين فقط، لذا يبقى من غير الواضح تطبيق النتائج ذاتها على الأطفال.
تتضمن الأسباب التي تجعل وقت الشاشة الطويل يؤثر على الصحة النفسية عدة عوامل متراكمة. قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة يقلل من الحركة البدنية، والحركة ضرورية لصحة الجسم والعقل معًا. التحديق المستمر في الشاشات يسبب إرهاقًا، خاصة عند التنقل بين مهام متعددة في آن واحد مثل الرد على عدة محادثات ورسائل بريد إلكتروني أثناء تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.
بارين كامدار، أخصائية نفسية سريرية معتمدة، تشير إلى أن الاستخدام المفرط للإنترنت يشبه اضطراب الأكل والإدمان واضطراب الوسواس القهري من حيث الآليات النفسية. هذا التشابه يجعل معالجة المشكلة صعبة، لأن الدوافع غالبًا ما تحدث بشكل لا شعوري: قد تجد نفسك تتصفح الإنترنت قبل أن تدرك ما يحدث. كما أن التفاعلات عبر الإنترنت غالبًا ما تكون أقل لطفًا من تلك وجهًا لوجه، مما قد يؤدي إلى تجارب سلبية. بالإضافة إلى ذلك، يشعر كثيرون بالنقص عندما يقارنون حياتهم بالصور المنتقاة والمنقحة على وسائل التواصل الاجتماعي.
قدمت كامدار استراتيجيات عملية للتعامل مع هذه المشكلة. أولًا، يجب التعرف إلى المحفزات التي تدفعك للجوء إلى الشاشة: هل تفعل هذا بعد موقف مرهق في العمل أو العلاقات؟ أم عندما تشعر بالإرهاق أو الضغط النفسي؟ بمجرد تحديد هذه المحفزات، تصبح في وضع أقوى لمقاومة الإغراء.
عندما تشعر برغبة ملحة في استخدام الإنترنت للتعامل مع الضغوط، تنصح كامدار بالانتظار خمس دقائق أولًا وقضاء هذا الوقت في ممارسة الرياضة أو الاستماع إلى الموسيقى أو الاسترخاء. بعدها، أضف خمس دقائق إضافية إلى فترة الانتظار في كل مرة تشعر فيها بهذه الرغبة. هذا التدرج يساعد على كسر الحلقة المفرغة بشكل تدريجي.
استراتيجية أخرى فعالة هي تخصيص فترات خالية تمامًا من الشاشات. يمكنك تجربة فصل جهاز الإنترنت في أثناء عطلة نهاية الأسبوع وقضاء الوقت مع العائلة في أنشطة مثل الألعاب. لا تتطلب هذه الخطوات ميزانية كبيرة، بل يمكن تطبيقها بسهولة في حياتك اليومية.
كامدار تؤكد أن "قد لا يختفي هذا الدافع تمامًا، لكن حدته وتأثيره يتراجعان. وبدلًا من أن يهيمن على الانتباه ويملي السلوك، يصبح مجرد فكرة أخرى يمكن ملاحظتها وتركها تمضي". العلاج النفسي يمكن أن يساعد في هذه العملية للأشخاص الذين يواجهون صعوبة بالغة.
الآباء والطلاب والمعلمون الذين تمكنوا من تقليل وقت الشاشة يبلغون عن زيادة ملحوظة في مستويات السعادة. يتمتعون بوقت أكبر للقيام بأنشطة تمنح سعادة حقيقية: قضاء الوقت في الهواء الطلق، ممارسة النشاط البدني، التواصل وجهًا لوجه مع العائلة والأصدقاء، ومساعدة الآخرين. الابتعاد عن الإنترنت، بدلًا من الاعتماد عليه كمخرج من التوتر والمشاعر السلبية، يفتح الباب أمام وسائل أكثر صحة للتعامل مع هذه المشاعر.
اقرأ أيضًا:
