يقطع الطنين في السماء جلسة النساء داخل خيمة العلاج… تعرّفوا إلى “متلازمة غزة” .. إياد الكرنز

يقطع الطنين في السماء جلسة النساء داخل خيمة العلاج… تعرّفوا إلى “متلازمة غزة” .. إياد الكرنز

الحياة في غزة لا تشبه الحياة في أي مكان آخر، من أي زاوية كانت. ففي هذه اللحظة، على سبيل المثال، أجلس داخل خيمة مخصصة لتقديم الدعم النفسي، وأدير جلسة دعم جماعي لنساء يعانين من الصدمة واضطراب ما بعد الصدمة نتيجة الحرب. فجأة، يقطع طنينٌ مرتفع في السماء سير الجلسة. تتجه الأنظار إلى الأعلى بحثًا عن الطائرة، بينما تحاول الآذان تخمين المكان الذي سيكون هدفًا للقصف التالي.

يتكرر هذا المشهد يوميًا رغم “وقف إطلاق النار”، وفي كل مرة يستولي الخوف من جديد على الجسد والنفس. وبعد لحظات قليلة يُسمع دوي الانفجار، لتبدأ الفوضى المألوفة: تُسحب الهواتف المحمولة، ومنها هاتفي، لمعرفة مكان الاستهداف، والاطمئنان على الأزواج والأبناء، والتأكد من أنهم بخير.

لاحقًا، وبعد أن نعرف ما حدث، ونتأكد من سلامة أحبائنا، وتهدأ الصرخات وحالة الذعر، أحاول إعادة الجلسة إلى مسارها. أقترح نشاطًا ضمن مجموعات صغيرة لمعالجة المشاعر التي أثارتها اللحظات السابقة، وخلال ذلك أجدني أطرح على نفسي السؤال ذاته الذي يراودني دائمًا في مثل هذه المواقف: ماذا يعني أن أكون معالجًا نفسيًا أقدم الدعم لمن يعيشون الصدمة ويعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بينما أعاني أنا أيضًا الاضطرابات والأعراض نفسها؟

في كثير من الأحيان، نحن المعالجين نفقد المسافة العاطفية التي ينبغي أن تفصل بيننا وبين من نعالجهم. فنحن، مثل سائر سكان غزة، نعيش الواقع المرعب نفسه: النزوح، والخيام المتهالكة، والجوع، والعطش، والقلق الدائم على أحبائنا. ونحن أيضًا نعاني إنهاكًا شديدًا سببه الصدمة، والخوف من المستقبل، والشعور بأن الأمل قد تلاشى. ومع ذلك، نواصل الذهاب إلى الخيام ومخيمات النازحين، ونحاول، رغم كل الصعوبات، الحفاظ على استمرارية تقديم الرعاية النفسية، رغم المخاطر في الطرقات، وتحت تهديد القصف المستمر.

يعيش المجتمع الفلسطيني منذ عقود تحت الاحتلال والحصار والهجمات المتواصلة. وفي قطاع غزة تتشكل حالة فريدة أسميها “متلازمة غزة”؛ وهي حالة مستمرة من الصدمة النفسية الجماعية، تنجم عن التعرض المتكرر للعنف العسكري داخل بيئة محاصرة ومغلقة تعيش تحت تهديد دائم بانفجار جديد للعنف. وفي مثل هذا الواقع، تصبح الصدمة جزءًا من الحياة اليومية، وتتجدد مرة بعد أخرى.

وتتمثل هذه المتلازمة في القلق المزمن، واضطرابات ما بعد الصدمة، وتراجع الإحساس بالأمان، وتزايد صعوبة التخطيط للمستقبل. وهي لا تقتصر على اضطرابات فردية، بل تؤثر في المجتمع بأسره، وتمتد إلى جميع الفئات العمرية. وأخطر ما فيها أنها تتطور بصورة دائرية ومتكررة؛ فكل موجة جديدة من العنف تضيف طبقة جديدة إلى الصدمات المتراكمة أصلًا، فلا يبقى للإنسان الوقت الكافي للتعافي واستعادة توازنه النفسي. وكلما طال أمد هذا الواقع، أصبحت الروابط الأسرية والاجتماعية أكثر عرضة للتفكك. إنها حالة من الإنهاك النفسي والاجتماعي المستمر، يصبح معها الرجوع إلى “الحياة الطبيعية” أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.

وتتشابك هذه الأعراض مع واقع معيشي تغيب فيه حتى أبسط مقومات الحياة الأساسية، من السكن والغذاء إلى الرعاية الطبية. ورغم الجهود الكبيرة التي يبذلها المختصون، فإن حجم الصدمة يتجاوز في كثير من الحالات قدرة أساليب العلاج التقليدية على احتوائها.

وفي الوقت نفسه، يبيّن تقرير “مكان آمن للنفس”، وهو ثمرة تعاون بين منظمة “جيشاه – مسلك”، وبرنامج غزة للصحة النفسية، وعدد من المختصين، أن منظومة الصحة النفسية في قطاع غزة تنهار تحت وطأة سنوات من الهجمات، والنقص الحاد في الأطباء النفسيين، والعبء الهائل الواقع على كاهل المعالجين. وهكذا تستمر الصدمة بلا انقطاع، بينما تكاد تنعدم حتى الحد الأدنى من الظروف اللازمة للتخفيف منها، فضلًا عن التعافي وإعادة التأهيل.

وأتأمل أيضًا الكيفية التي تؤثر بها الحرب في المجتمع الذي يديرها، على المستويات النفسية والسياسية والاجتماعية. فإلى جانب ارتفاع مستويات القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وتعاظم الشعور بعدم الاستقرار، يتعزز الخطاب الأمني والعسكري، بينما تضيق المساحة المدنية التي تسمح بانتقاد الحرب. وتستند هذه التحولات، من بين أمور أخرى، إلى الحرب النفسية الموجهة ضد سكان غزة، عبر تجريدهم من إنسانيتهم ووصفهم بـ”الحيوانات البشرية”، وتصويرهم باعتبارهم تهديدًا وجوديًا لا حل سياسيًا له، وتعميق ثنائية “نحن وهم”، وتبرير كل عمل عسكري باعتباره ضرورة من ضرورات البقاء. وكلما ترسخت هذه التصورات، ازداد العنف وتجذر، وأصبح أكثر اعتيادية، الأمر الذي يفاقم المعاناة الإنسانية في غزة.

انتهت الجلسة، وعادت النساء إلى أماكنهن في الدائرة. وآمل أن يغادرن وهن يحملن قدرًا من الارتياح، مهما كان ضئيلًا. لكن الحقيقة تبقى أنه لا يمكن معالجة صدمة ما دامت تتولد من جديد كل يوم. فالفرصة الوحيدة لبدء مسار التعافي تكمن في إنهاء واقع الاحتلال والحصار والعنف الذي لا ينتهي.

أحدث الأخبار