يبدو أنها لم تتعلم: حين تعيد فتح اختيار الماضي… من يقود المستقبل؟ جمال خالد الفاضي

يبدو أنها لم تتعلم: حين تعيد فتح اختيار الماضي… من يقود المستقبل؟ جمال خالد الفاضي

أثارتني الأسماء التي اختارتها حركة فتح لقيادتها في قطاع غزة، ليس اعتراضًا على أشخاصها، ولا انتقاصًا من تاريخهم أو تجاربهم، أو حتى تضحياتهم، وإنما لأن الاختيار أعاد إلى ذهني الذي لا يتوقف عن الأسئلة والنقاش مع الذات سؤالًا أوسع من الأسماء ذاتها: كيف تختار الحركات السياسية قياداتها، وعلى أي أساس تقرر أن من قاد بالأمس هو الأقدر على قيادة الغد؟

توقفت أمام الأسماء، وحاولت أن أبحث بعيدًا عن الانطباعات الشخصية: ما الذي قدمه كل واحد منهم خلال السنوات الماضية؟ ما طبيعة حضوره بين قواعد الحركة وفي المجتمع؟ ما الأفكار أو المبادرات التي ارتبطت به؟ وما الذي يمتلكه ويجعله أكثر قدرة من غيره على التعامل مع مرحلة فلسطينية تبدلت فيها تقريبًا كل المعطيات؟ ثم قادني ذلك إلى سؤال أكثر إزعاجًا: هل المشكلة فعلًا في أن فتح لا تمتلك قيادات وعقولًا جديدة، أم في أن بنيتها التنظيمية لم تعد قادرة على إفساح المجال أمامها؟ فالقضية هنا ليست أعمارًا ولا صراع أجيال، وليست دعوة إلى إقصاء أصحاب التجربة لمصلحة وجوه جديدة لمجرد أنها جديدة. القضية تتعلق بفلسفة القيادة نفسها: هل الموقع القيادي امتداد للتاريخ والأقدمية، أم مسؤولية تخضع للأداء والمساءلة والتقييم والقدرة على إنتاج رؤية للمستقبل؟ وربما لهذا لم تثرني الأسماء بقدر ما أثارني منطق إعادة إنتاج الأسماء. فغزة التي ستخرج من هذه الحرب، أيًّا كانت صورة اليوم التالي، لن تكون غزة التي عرفناها قبلها. مجتمعها تغير، وأولوياتها تغيرت، وأسئلتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغيرت بصورة جذرية. وإذا كانت البيئة قد تغيرت إلى هذا الحد، فمن المشروع أن نسأل مرة تلو الأخرى: لماذا يبدو أن الأدوات والوجوه التي يفترض أن تقود التعامل معها لا تتغير بالقدر نفسه؟ وأي فتح تريد الحركة أن تبني في غزة بعد كل ما جرى؟ وسيُجرى وهي أمام استحفاف انتخابي قادم؟ وهل اختارت لهذه المهمة قيادات المستقبل، أم أعادت ترتيب أسماء الماضي؟

في علوم السياسة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي، لا يفترض أن يكون اختيار القيادة مجرد إعادة توزيع للمواقع، ولا أن تتحول الخبرة السابقة وحدها إلى مبرر دائم للبقاء. فالقيادة، في أي تنظيم سياسي حي، ليست مكافأة على التاريخ، وإنما تكليف مرتبط بما يستطيع صاحبه أن يقدمه للحاضر والمستقبل.ومن هنا، فإن إعادة تكليف القيادات نفسها داخل حركة فتح تثير أسئلة تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لتصل إلى طبيعة النظام القيادي الذي تنتجه الحركة: على أي أساس يبقى القائد؟ ومتى يصبح من الضروري أن يغادر؟ ومن يقيّم ما قدمه؟ وما المعايير التي تحدد أن هذا الشخص ما زال أصلح من غيره لقيادة مرحلة جديدة؟

هذه ليست أسئلة شخصية، ولا دعوة إلى إقصاء جيل لمجرد أنه قديم. فالخبرة السياسية والتاريخ التنظيمي والذاكرة المؤسسية كلها أصول مهمة لأي حركة سياسية. لكن الخبرة تصبح مشكلة عندما تتحول من قيمة مضافة إلى حق مكتسب في القيادة. وفي المؤسسات الحديثة، لا يكفي السؤال: ماذا كان هذا القائد؟ بل يجب أن يسبقه سؤال أكثر أهمية: ماذا يستطيع أن يفعل الآن؟ فما الذي قدمه خلال فترة تكليفه السابقة؟ وما الذي تغير في الحركة نتيجة وجوده؟ وهل اتسعت القاعدة التنظيمية أم انكمشت؟ هل أصبح أكثر اتصالاً بالناس أم أكثر ارتباطاً بموقعه؟ هل أنتج قيادات جديدة من حوله، أم أصبح بقاؤه مرتبطاً بغياب البديل؟ وهل يمتلك رؤية للسنوات القادمة، أم أن أهم مصادر شرعيته ما زالت مستمدة من سنوات مضت؟

وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات التنظيمات التاريخية: الخلط بين شرعية التاريخ وشرعية الأداء. لقد صنعت فتح تاريخاً لا يمكن اختزاله، ولعدد كبير من قياداتها رصيد نضالي وسياسي وتنظيمي لا يجوز إنكاره. لكن الحركات السياسية لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد على رأسمالها التاريخي. فالتاريخ يمنح صاحبه الاحترام، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على إدارة المستقبل.والأخطر أن استمرار الوجوه ذاتها لفترات طويلة قد يخلق دائرة مغلقة: القيادات القديمة تمتلك المواقع، والمواقع تمنحها النفوذ، والنفوذ يمنحها القدرة على إعادة إنتاج وجودها، ثم يصبح استمرارها دليلاً على أهميتها. وهكذا قد تدخل الحركةفي حلقة يصبح فيها البقاء سبباً للبقاء.

عند هذه النقطة يجب طرح سؤال ربما يكون أكثر إزعاجاً: فما الذي يمتلكه هؤلاء ولا يمتلكه غيرهم؟ هل هي كفاءة لا تتوافر في الأجيال الجديدة؟ أم خبرة سياسية استثنائية؟ أم حضور جماهيري واسع؟ أم قدرة على التنظيم والحشد؟ أم شبكة علاقات داخلية وخارجية يصعب الاستغناء عنها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمن حق الحركة أن تتمسك بهم. ولكن إذا لم تكن هناك إجابة واضحة وقابلة للقياس، فإن السؤال ينتقل من كفاءة الأشخاص إلى بنية الحركة التي تعيد إنتاجهم. وهنا تكمن القضية الحقيقية. فالتنظيم القوي ليس التنظيم الذي يمتلك قيادات لا يمكن الاستغناء عنها، وإنما التنظيم القادر باستمرار على إنتاج قيادات يمكنها أن تحل محل من سبقها. بل إن أحد أهم مؤشرات نجاح القائد نفسه هو قدرته على صناعة من يستطيع أن يخلفه. أما عندما يصبح غياب البديل مبرراً لاستمرار القائد، فعلينا أن نسأل: من كان مسؤولاً عن عدم إنتاج هذا البديل؟

بعد عقود طويلة من وجود فتح، لا يمكن منطقياً القول إن الحركة تفتقر إلى الكفاءات. ففي داخلها وخارج أطرها القيادية أجيال من الأكاديميين والسياسيين والدبلوماسيين والاقتصاديين والشباب والنساء وأصحاب التجربة المجتمعية والتنظيمية. ولذلك فإن القضية ليست بالضرورة غياب العقول الجديدة، وإنما مدى قدرة الإطار التنظيمي على السماح لهذه العقول بالصعود. وهذا يقود إلى مسألة أعمق تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي. التجديد هنا لا يعني استبدال الكبار بالشباب بطريقة ميكانيكية. فالشباب ليسوا أكثر كفاءة لمجرد أنهم شباب، كما أن القادة التاريخيين ليسوا أقل صلاحية لمجرد تقدمهم في العمر. القضية ليست صراع أجيال، وإنما صراع معايير: الأداء مقابل المكانة، والكفاءة مقابل الأقدمية، والقدرة على استشراف المستقبل مقابل الاكتفاء بشرعية الماضي. ولهذا فإن التجديد الحقيقي لا يتحقق بتغيير مجموعة أسماء بأسماء أخرى فقط. فقد تأتي أسماء جديدة تحمل الثقافة التنظيمية القديمة نفسها، فنكون قد غيرنا الأشخاص وأبقينا النظام. التغيير الأعمق يبدأ عندما تصبح هناك أسئلة واضحة لكل موقع قيادي: ماذا أنجز صاحبه؟ ما أهدافه للمرحلة القادمة؟ كيف يقاس نجاحه؟ ما علاقته بالقواعد التنظيمية والمجتمع؟ ما قدرته على استقطاب أجيال جديدة؟ ومتى تنتهي مهمته إذا لم يحقق المطلوب؟

إن حركة بحجم فتح وتاريخها لا تحتاج فقط إلى الحفاظ على ذاكرتها؛ تحتاج أيضاً إلى أن تحدد من سيكتب فصلها القادم. فالوفاء للتاريخ لا يعني أن نحوله إلى مكان دائم للإقامة. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن تطرحه فتح على نفسها اليوم: أي فتح نريد للسنوات العشر القادمة، وأي نوع من القيادات تحتاجه تلك الحركة؟ عندما تبدأ الإجابة عن هذا السؤال أولاً، ستصبح مسألة الأسماء نتيجة طبيعية للرؤية، لا مقدمة لها. أما أن نختار الأشخاص أولاً، ثم نبحث لهم عن أدوار، فذلك يعني أننا لا نبني حركة للمستقبل بقدر ما نعيد ترتيب الماضي. وفتح، إذا أرادت استعادة قدرتها على تمثيل المستقبل الفلسطيني، تحتاج إلى أكثر من تدوير المواقع. تحتاج إلى شجاعة مؤسسية تسمح للخبرة بأن تنقل ما لديها، وللكفاءة بأن تتقدم، ولجيل جديد بأن يختبر قدرته على القيادة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تاريخية ليس أن تتخلى عن تاريخها، بل أن تصبح أسيرة له.

 

أحدث الأخبار