باريس /PNN- يستعد مجلس الشيوخ الفرنسي، الثلاثاء، لمناقشة مشروع قانون يتيح إلزام أشخاص شاركوا في تجمعات شهدت أعمال عنف أو تخريب بدفع تعويضات عن أضرار لم يرتكبوها مباشرة، تصل إلى 10 آلاف يورو، وسط اعتراضات حقوقية وتحذيرات من تأثير التشريع المقترح على حرية التظاهر.
وأفادت صحيفة "الغارديان" بأن المشروع، المعروف باسم "المخرّب يدفع"، أثار انتقادات من نقابات وجهات حقوقية، ترى أن توسيع نطاق المسؤولية المدنية قد يؤدي إلى تحميل متظاهرين تبعات أفعال ارتكبها آخرون، بما يهدد الضمانات القانونية المرتبطة بحرية التجمع والتعبير.
وتقول الحكومة الفرنسية إن المشروع يهدف إلى تحسين تعويض ضحايا أعمال العنف والتخريب، وضمان استرداد الأموال التي تدفعها الدولة لتغطية الأضرار، بدل تحميل كلفتها للمال العام وحده.
ووفقًا للنص الحكومي المودع في سبتمبر/ أيلول 2026، يقترح المشروع إنشاء نظام للمسؤولية المدنية التضامنية، يشمل الأشخاص الذين يشاركون عن علم في مجموعة يرتكب أحد أفرادها أعمال عنف متعمدة أو سرقة أو تخريب، خلال الفترة والمكان اللذين وقعت فيهما تلك الأفعال.
ويمتد نطاق المسؤولية المقترحة إلى الأشخاص الذين يواصلون طوعًا المشاركة في تجمع رغم صدور إنذارات بتفريقه، مع علمهم بأن بعض المشاركين يرتكبون أعمال عنف أو تخريب.
وبموجب هذه الآلية، يمكن مطالبة شخص بتعويض أضرار ارتكبها مشاركون آخرون في المجموعة نفسها، ضمن سقف يبلغ 10 آلاف يورو، حتى إن لم يثبت أنه نفذ أعمال التخريب بنفسه.
ولا يعني ذلك أن مجرد الوجود قرب موقع التخريب يكفي تلقائيًا لفرض التعويض، إذ يرتبط تطبيق الأحكام المقترحة بشروط قانونية تتعلق بطبيعة المشاركة والعلم بالأفعال المرتكبة وظروف وقوعها.
ويتيح المشروع للدولة الرجوع على مرتكبي الأضرار والأشخاص المشمولين بالمسؤولية التضامنية لاسترداد التعويضات التي دفعتها، كما يتضمن إمكان تسوية بعض الالتزامات المالية من خلال أعمال إصلاحية ذات منفعة عامة.
وبحسب القناة البرلمانية الفرنسية "إل سي بي"، فإن القانون القائم يحمل الدولة أصلًا مسؤولية التعويض عن أضرار بعض التجمعات، مع إمكان مطالبة المسؤولين المحددين عن التخريب برد الأموال وفق الشروط القانونية.
كما يمكن، في حالات معينة، تحميل الوالدين مسؤولية مدنية عن أضرار يتسبب بها أبناؤهما القاصرون.
وعليه، لا يستحدث المشروع مبدأ التعويض عن أعمال التخريب، بل يسعى إلى توسيع دائرة الأشخاص الذين يمكن مطالبتهم بدفع التعويضات، وتسهيل إجراءات تحصيلها.
وأوضحت القناة أن تطبيق المسؤولية المقترحة يثير مسائل قانونية تتعلق بإثبات مشاركة الشخص في المجموعة، ومدى قدرته على الابتعاد عنها عند وقوع أعمال العنف، وهي مسائل لا تزال في إطار تفسير النص المقترح، ولم تصدر بشأنها أحكام قضائية استنادًا إليه.
وفي المقابل، حذر "المجلس الوطني لنقابات المحامين" في فرنسا، في موقف نشره خلال أكتوبر/ تشرين الأول، من أن المشروع يمس بمبدأ المسؤولية الشخصية، عبر السماح بتحميل أفراد نتائج أفعال لم يرتكبوها مباشرة.
وأكد المجلس مشروعية حماية ضحايا التخريب والحفاظ على النظام العام، لكنه اعتبر أن بعض أحكام المشروع تتجاوز الحدود الضرورية لتحقيق هذين الهدفين، وقد تؤدي إلى إضعاف الحماية القانونية للحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية الاجتماع والتعبير والتظاهر.
وأثار المجلس مخاوف إضافية بشأن مقترحات تسهيل تحصيل التعويضات من بعض الإعانات الاجتماعية، ولا سيما المخصصات العائلية ومساعدات السكن، التي تتمتع بحماية قانونية من الحجز عليها إلا في حالات محددة.
ويهدف هذا التعديل إلى توسيع الوسائل المتاحة لتحصيل التعويضات، بما في ذلك الحالات التي يصعب فيها استرداد الأموال من المسؤولين عن الأضرار.
في المقابل، دافع وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، أمام الجمعية الوطنية، عن اعتماد المسؤولية التضامنية وإمكان تحصيل التعويضات من بعض الإعانات الاجتماعية، مؤكدًا توجه الحكومة إلى المضي في المشروع.
ويظل التعويض المدني الذي يتناوله المشروع منفصلًا عن العقوبات الجنائية المقررة لأعمال العنف والتخريب، إذ يتعلق الأول بجبر الأضرار التي لحقت بالضحايا، بينما يرتبط الثاني بملاحقة مرتكبي الجرائم ومعاقبتهم.
ولا يزال مشروع "المخرّب يدفع" في المسار التشريعي، ولم يتحول إلى قانون نافذ، ما يعني أن الأحكام الجديدة المقترحة لا تطبق حاليًا.
ويتركز الخلاف بشأنه على مدى جواز توسيع المسؤولية المدنية لتشمل أشخاصًا لم يرتكبوا أعمال التخريب مباشرة، والضمانات اللازمة لحماية حق التظاهر ومنع تحميل الأفراد مسؤولية أفعال الآخرين.





